المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن سامي شكري Headshot

كلمات متقاطعة

تم النشر: تم التحديث:

من الأفكار إلى الهواجس، من التقلبات العقلية إلى الدوامات القلميّة، مني إليك؛ حيث لا أُوجَد وتكون كل تناقضاتي التي أُنكرها، مِن ثَمّ.. أنا مُتقَطِّعٌ، لستُ أنا.

وقفتُ إحدى عشرة دقيقة على أعتاب رسالته إليّ؛ أمَرِّرها على عيون الفؤاد، أكرِّرها، أحرِّرها من قيود عقلي، ثُم أتبعتُها عشراً؛ أخطّ وأمحو وأعاود، أخطو ولكل خطوة رجعة، ولكل رجعة مُكث، ولكل مكث حكايا، وكل حكاية قَطع في رداء الجملة، حتى انتهيتُ فأرسلتُ تمزيقي، وأنا أعرف أن لا مجال للترقيع، ثُم ذيّلتُه برمز تعبيريّ غير مرئيّ؛ أقول من خلاله: هذا ليس وجهي، أنا أمارس ضحكة العالَم بنمط الرضا، وأنت تمارس القَبول بذلك عن عَمدٍ غير مقصود، هذا ليس أنا، ولَربما أنت تعرِف عن غير علم.

تسع دقائق أمام جدار تعليق حافل بإطراء غير مستحَق، وكلمات تستدعي الشكرَ عنوةً. أكتب بنمط الجمل المُعتادَة: "متشكر جداً، الله يكرمك." عشرون دقيقة في تساؤل: "هل كان ردي وافياً؟ هل لاحظ نمطيَّتي وتَكراريّتي؟ هل كنتُ متكلِّفاً؟ هل أنا متكبِّرٌ بإيجازٍ كهذا؟ وماذا لو كنتُ متكلِّفاً في بعض أقوالي ونداءاتي؟ أليس ثَمة فروق بين ضروب التكلُّف؟! هل هناك مَن يُلاحظ كل هذا العناء الذي يقتلني في الدقيقة ستين قتلة بستين سؤالاً؟!"، لا إجابات قاطعة حازمة تُخمِد نيران تلك الأسئلة. أنتَ هالكٌ حتى تُستهلَك مرات ومرات في مجتمع افتراضيّ.

بقدر السرور الذي يُدخَل على القلب بواسطة الرسائل والتعليقات والمنشورات تنهال علينا سهام الشك، التردد، الخوف؛ تطبيقاً لقانون نيوتن، لكن بتقارب المقادير وليس التساوي، وباختلاف طاقات السلب والإيجاب، ليس الاتجاه. هناك جملة في حلقي تحجّرت. أنت لا تعلم بها، لن تعلمَ بها.. أرأيت؟! أنت لا تعلم بها إطلاقاً.

أُخبرك الآن بأني يابسٌ، لا يجري في مزمار قلمي الكلام المراد، أنت لا تعلم ذلك رغم إخباري إياك؛ أني متحجِّرٌ. هل جربتَ أن تكون لي قِربةَ ماء؟! أجلستَ تُؤوِّل جملي وتُقدِّر المحذوفَ وتستقصي المضمَرَ المكنون؟! ربما علمتَ الآن أن الأمرَ ليس يسيراً، وأن إكمالَ قِطعي المتجاورة ليس متناوَلاً متداوَلاً، وأن حلّ العقدة يحتاج إلى درجة من القرب الفريد، هل تعلمه؟ لا أحد يعلمه. لا أحد يصل إلى تلك الدرجة في عصرنا إلا مَن رحم ربي الرحيم الودود. انظُر! أنت تُحاورني عبر سبعة أمتار، ولا يتكلف واحد منا عناء السير ومبادرة اللقاء!

ربما اعترفتُ للبعض بأسفي عليّ؛ على جثة كلِمي المنهوشة، على تأخري في الرد، على عجزي التعبيريّ، وجملي المصمَتة بقالب الفقر. نعم، أنا فقير، فقيرٌ جدّاً، لا أمتلك غير جمل قصيرة قاصرة. لا أُتقن فن الضيافة، ولا أحوز جَعبةً تنقذني، ولستُ ببخيلٍ يدّعي، ولكني مُسرِفٌ فيما لديّ. ربما أرسلتُ طلباً للمسامحة أيضاً، وتجاهلتَ، أو عجبتَ! سامِحني؛ إني فقير.

‌ما يزيد الأمر تعقيداً بساطتُه. تعليقٌ على منشور يتباين عن غيره، أو يشترك معه في مضمون ما. أبديتَ إعجابك بشيء ما في سطره، أو نثرتَ نقدَك بذكر عيب وميزة. ترقَّب جحيمَ الأسئلة التي ستراودك على عجل؛ هل ما كتبتُه كان صادقاً أم أنه ضربٌ من ضروب الرياء؟ هل من الممكن أن يخدشَ قولي شيئاً في فؤادِه؟ هل أحذف تعليقي؟ ربما كان الأفضل أن تكتفي بالمشاهدة. أرأيتَ كيف أن الأمر بسيط إلى حد التعقيد؟! أرأيتَ كيف أكون وتكون في عالم يُعد عاملاً حفّازاً لمعادلة البعد؛ حتى تزداد نتائج الغربة، وتتقطّع أواصر القُربة؟! أرأيتَ أنك ترى، ولا تفعل أيّ شيء إيجابيّ حيال ذلك؟! فقط تبتعد عني بكل تلك القيود!

أحوالنا المبهمة، الشعور غير المشترَك، الأفكار الواردة إلى ذهنٍ وتستعصي على الآخرين، المسافات المقطوعة لخط جملة فيَقطع استقامتها انحناء ما، كلها عُقَد متقاطعة، وأنا لعبةُ ألغاز جمعَتها، تحتاج إلى وسيلة مساعدة تسمى "صديق". هل تعلم ما الصديق؟! إنه أحجيّةٌ لم تُفَكّ بعد.

وددتُ لو أنني في أُذنيك همستُ بكلِّ سُؤْلٍ سَبق، فأجبتَ ولو بصمتٍ.. عن قُرب. هلّا تقترب؟!

ستفنى كل أسئلتي إن فعلتَ، وتكون الإجابةُ الوحيدةُ الثابتة؛ أنكَ هُنا.. بجانبي، تحلُّني.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.