المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن حجازي Headshot

الجامعة .. ومساحات ما بعد الهزيمة

تم النشر: تم التحديث:

دائماً ما تحمل تفاصيل الأحداث في طياتها قدرة أكبر على قراءة الواقع، وكثيراً ما تخلف حالة الاهتمام الزائد بالصورة الكلية وإغفال التفاصيل في سبيل السرعة في الفعل أو رد الفعل، دائماً ما تخلف حالة من تكرار الأفعال طبقاً لصور نمطية جاهزة لدينا لما يجب أن يُفعل في حالات معينة، طبقاً لمقارنات بحالات سابقة ربما تبدو مماثلة في الصورة الكلية، ولكنها تختلف تماماً في التفاصيل والأحداث الهامشية، وفي الحالات التي تتسارع فيها وتيرة الأحداث، نزداد إغفالاً للتفاصيل إما عن قصد أو غير قصد، التفاصيل التي ربما كانت لتقودنا إلى مسارات أكثر واقعية وتأثيراً في الحركة من تلك التي سلكناها.

بداية لست معنياً هنا بتوثيق العمل الطلابي في السنوات الأخيرة رغم أهمية هذه الفترة، ولكن من المهم العودة قليلاً إلى ما قبل مارس 2013، وتحديداً تحضيرات التحالفات الانتخابية، والتي تكتلت فيها عدة كيانات بالإضافة إلى طلاب مستقلين في قوائم، كان هدفها الرئيسي المعلن كسر هيمنة فصيل سياسي واحد على الاتحاد، ولا سيما كونه نفس الفصيل الموجود في سدة حكم البلاد، وإرجاع الاتحاد لدوره الأهم المتمثل في فتح ملفات الحريات الطلابية والدفع في اتجاه إنشاء منظومة جامعية أكثر إنصافاً وأكثر إشراكاً للطلاب في إدارة العملية التعليمية، وطبعاً على رأس الأولويات كان تعديل اللائحة الطلابية التي أصدرها اتحاد 2012 دون أي إشراك للكيانات الطلابية أو عرض اللائحة على استفتاء طلابي، وآثروا حينها الصعود مباشرة إلى الحل السلطوي عن طريق إمرارها إلى وزير التعليم العالي الذي أقرها بدوره في يناير 2013.

عملنا في الاتحاد بعد تسلم المهام في أبريل على تطوير آلية هدفها تمثيل قوي للطلاب من خلال أعضاء الاتحاد في المجالس المنعقدة بالكلية، وعملتُ مع مجموعة من الأصدقاء خارج إطار الاتحاد على اقتراح يهدف لنقل القوة الممنوحة له من الطلاب مرة أخرى إلى القاعدة الأكبر منهم، بهدف تمكين المجموعات الطلابية المختلفة من الضغط في مشاكلها الخاصة قبل العامة، وكسر احتكار أي أحد للتعبير عن صوتهم حتى الاتحاد نفسه، وشملت تلك الاقتراحات آلية لتمثيل أكبر عدد من الدفعات في مجالس الأقسام للمشاركة والضغط في اتخاذ القرار داخل المنظومة الجامعية عن طريق طلاب وفضلنا أن يكونوا من خارج الاتحاد، منتخبين من داخل دفعاتهم كممثلين عنهم وعن مشاكلهم المختلفة باختلاف خصوصية كل قسم وكل دفعة وتفاصيلها الصغيرة التي ربما تضيع داخل الاستحقاقات العامة، ومحاولة لتخفيف أثر حالة الغليان الحادث في الساحة السياسية على القضايا الطلابية الأساسية وعلى المساحات التي كسبها الطلاب بعد ثورة يناير.

لم يكن ذلك العمل من منطلق المنظور الرومانسي للمشاركة الواسعة في القرارات ، ولكن لأن واقع التجربة يؤكد أن كسب المزيد من المساحات والحريات يحدث بضغط جموع الطلاب وليس بضغط كيان من الكيانات حتى لو كان اتحاد الطلاب المنتخب منهم.

كنا ننوي عرض تلك الرؤية على الزملاء في الاتحاد في بداية العام الدراسي التالي بسبب دخول موسم الامتحانات، وكنا آنذاك نشهد بوادر الدخول للنفق المظلم الذي دخلناه رسمياً في الثالث من يوليو 2013 ونعيش فيه إلى الآن، ومع كل تلك التغيرات وتهميش دور الاتحاد أصبح الوضع غير مواتٍ أبداً للحديث عن تلك الأفكار في ظل نظام عسكري يخير بين الاصطفاف خلفه، أو البطش، وفي ظل إدارات جامعية لم تدخر جهداً في غلق المساحات التي فُتحت بعد الثورة، بل والعمل كذراع أمني للنظام في كثير من الأحيان.

لست متأكداً من جدوى حكاية ما سبق، ولكن تلك كانت الدروب التي رغبنا السير فيها آن ذاك بناءً على أحلامنا التي وُلدت مع الثورة بمجتمع عادل للجميع وحرية للجميع وحق تعبير مكفول للجميع، بعيداً عن لعبة المُكايدة في الخارج والتي امتدت لداخل الجامعات في صراعات الطلاب المنتمين لأقطاب الصراع الصفري الحاصل على الساحة السياسية آن ذاك، وبعد الانتكاسة في يوليو تركتنا وطأة الواقع المرير عاجزين إلا عن ردود الأفعال "الكليشية" لإثبات المواقف وسط موجات البطش المتكررة، ووصلنا إلى محطة انسد فيها أفق الحركة تماماً.

في مراحل الهزيمة الساحقة وانسداد الأفق، من الصعب جداً الوصول إلى الخطوة الصحيحة، فالواقع صار أكثر تعقيداً، ولا فائدة لوضع الخطط داخل اللعبة بنفس قواعدها، القواعد المصممة خصيصاً لهزيمتنا، وحتى المساحات المكفولة لنا داخلها هي مساحات وهمية منزوعة الجوهر، تتسم بطابع "خليهم يتسلوا"، كما أننا في مرحلة من الضعف تجعل الحديث عن محاولة تغيير قواعد اللعبة مثيراً للسخرية.
........................................

"قال بؤبؤ العين: هؤلاء القوم سينقرضون لامحالة، لأنهم لا يفكرون فيما يرون، بل يرون ما يفكرون فيه".
مريد البرغوثي

أظن أنه من المستحيل في مثل هذه الحالة تحديد ما هو صائبٌ تماماً وما هو خاطئ تماماً، لكن الرهان دائماً سيكون على محاولاتنا إعادة تفكيك التجربة التي مررنا بها بانتصاراتها وهزائمها، بعيداً عن التمجيد المبالغ فيه للحراك الطلابي، وتحليل ما قمنا به من تحركات وما أهملناه عمداً أو سهواً من تفاصيل وتحليل تحركات منظومة السلطة لغلق المساحات، كل هذا بهدف استخلاص الدروس من التجربة ومن ثم الشروع في محاولة جادة للوصول إلى تصور كامل عن علاقة الطلاب بالجامعة والحريات الأكاديمية والطلابية، تصور يتسم بقدر كبير من المرونة لتقبل كل التفاصيل الخاصة بكل التجمعات الطلابية سواء الرسمي منها كالدفعات والأقسام، أو غير الرسمي من كيانات وتجمعات الطلاب المستقلين والجمعيات العلمية وغيرها، حتى لا نجد أنفسنا مرة أخرى في دائرة ردود الأفعال اللحظية، ولكي لا نندم على أي فرصة قادمة تأتي دون إعداد.

بالتوازي مع هذا، فالأجدر بنا الآن هو البناء على الميزة التي طالما صاحبت مجتمع طلاب الجامعة وهي تجمعنا وعلاقاتنا الحتمية لفترة 4 سنوات على الأقل، والشروع في خلق دوائر معنية بأي شيء مُشترك بين أعضائها، سواء كانت هذه المساحة المشتركة هي النقاشات الفلسفية أو تبادل المعارف والخبرات، أو حتى مساحات معنية بسد الثغرات التعليمية الكبيرة في تعليمنا الجامعي والمساهمة بإنتاج معرفي خاص بالطلاب في مجالاتهم يعكسُ قيمهم والأرضية التي ينطلقون منها، العمل الذي قد يصنعُ الفارق مع تراكم الأجيال والخبرات.

تكون مجموعات كثيرة بشكل عضوي، تحتوي ما تبقى لنا من طاقة، سيكفل لنا في المحصلة على الأقل خبراتٍ هائلة في سبل مختلفة قد تصنع الفارقَ مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال، أو على الأقل تخفف على الطلاب تجربة الجامعة في هذه البلد، وتخلق لهُم مساحات للتنفس بدلاً من الموت اختناقاً.

في النهاية كانت هذه مجرد محاولاتِ للتفتيش عن المساحات الآمنة داخل بناية تحترق، تخضعُ فيها احتمالات النجاة إلى قدرتنا على البحث عن أكثر الأركان بعداً عن اللهب، ومن ثم التزود بالماء، وأخيراً محاولة إطفاء الأركان المحترقة ومعالجة الخسائر.