المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرازق قيراط Headshot

هل أخطأت "نوبل للسلام" طريقها؟

تم النشر: تم التحديث:

بئس جائزة للسلام إذا أشعلت بيننا الحرب!.. هذا ما خلصت إليه بعد جولة على مواقع التواصل الاجتماعيّ حيث كان الصراع على أشدّه بين مدّاح وهجّاء للأطراف التي حصلت على تلك المكافأة المرموقة.
المتطيّرون منها، لم ينسوا ما فعله الرباعي الراعي للحوار الوطنيّ عندما عمل على إقصاء الترويكا الحاكمة، وأجبرها على تقديم استقالتها وتسليم السلطة لحكومة كفاءات.. آنذاك، تمسّكت أحزاب الترويكا في دفاعها عن نفسها "بالشرعيّة الانتخابيّة". ولكنّ "الشرعيّة التوافقيّة" أزاحتها بعد أن شهدت فترة حكمها اغتيالات سياسيّة مزلزلة وعمليّات إرهابيّة متكرّرة.
اعتُبر التوافق على ذلك الأساس فخّا انقلابيّا ألغى الديمقراطيّة التي أوصلت أحزابا إلى السلطة بأصوات الناخبين... فعادت السلطة للقوى التي ثار عليها الشعب. والتي تجمّعت بعد ذلك في كيان حزبيّ بُعث على عجل بالتنسيق بين اليساريّين والدساترة أو "أزلام النظام القديم" كما يسمّيهم خصومهم في تونس وفي مصر. وهكذا ظهر حزب "نداء تونس" كما تنبت الشجرة الخبيثة بعد اجتثاثها. ونجح الباجي قايد السبسي المبعوث من غيابات أرشيف بورقيبة في تحويل عقار التوافق إلى عصا سحريّة يهشّ بها على أنصار الثورة ودعاة المحاسبة والإقصاء لرموز النظام القديم. وتمكّن بعد فترة قصيرة من تحقيق رغبته الأخرى فدخل قصر قرطاج رئيسا للبلاد. فكانت الصدمة وخيبة الأمل أمام ما اعتبر انتصارا "للثورة المضادّة".
تلك هي المفارقة التي أدّت إلى استهجان الجائزة ورفضها واعتبارها تدخّلا خارجيّا مريبا لصالح الثورة المضادّة. وأصحاب هذا الرأي يعتبرون المشهد التونسيّ قاتما على نحوٍ لا يدركه إلاّ من يعيش في الداخل ويتابع من قريب كلّ التفاصيل والجزئيّات الصغيرة. والحكم على الجائزة من تلك الزاوية المحليّة الضيّقة لابدّ أن يخضع لمنطق الحسابات السياسيّة ووطأة التنافس الحزبيّ الضيّق الذي صنع استقطابا متناميا يترجمه الجدل اليوميّ حول قضايا مزمنة تتعلّق بمحاسبة الفاسدين الذين نهبوا ثروات الوطن، ومعاقبة المجرمين الذين تلوّثت أيديهم بدماء الشهداء..
غير أنّ صورة تونس في الخارج ناصعة، بل وفريدة من نوعها لمن يشاهدها عن بعد ويقارنها بما يحدث في دول الجوار. فالإعلام الأجنبيّ يذكر بإعجاب منجزاتنا في مجال الانتقال الديمقراطيّ. ويمتدح نجاحنا في تنظيم "الانتخابات النزيهة الشفافة"، وما أعقبها من مراسم نقل السلطة في أجواء احتفاليّة يتبادل فيها رئيسان التحيّة، ثمّ يغادر الذي انتهت ولايته إلى بيته، تاركاً قصر قرطاج لخليفته الجديد، فذلك المشهد لا يُرى إلّا في البلدان الغربيّة المتقدّمة على جميع الأصعدة.
تتجاوز الجائزة بذلك المعنى رموز الرباعيّ إلى قيمة الحوار الذي أداروه لإخراج البلاد ونخبتها السياسيّة المراهقة من حالة الانسداد التي كادت تؤدّي إلى التقاتل وسفك الدماء من أجل المناصب والوظائف العليا في الوزارات والسفارات والمجالس التمثيليّة. وتشمل الجائزة من جهة ثانية جميع الأحزاب التي تنازلت عن الحكم، وعلى رأسها حركة النهضة الإسلاميّة. وفي هذا السياق قال راشد الغنوشي إنّ "الجائزة تبعث برسالة إلى الجميع بأن فلسفة الحوار والتوافق هي البديل عن سياسة الإقصاء والمغالبة، لأن التونسيّين كانوا ليلة الحوار الوطني على شفا الهاوية، ولكنّ تحاورهم أنقذ الجميع من حرب أهلية، وهو ما ينبغي أن تنسج على منواله دول عديدة هجّر أبناؤها ودخلت في دوامة العنف المتواصلة".
وللتاريخ، كانت حركة النهضة الإسلاميّة الحزب الأكثر تعاونا وإنصاتا لمن طالبها بمراجعة خطابها السياسيّ وتغيير أولويّاتها حتّى تتحوّل إلى "حزب وسطيّ معتدل"، ينبذ التوجّهات الراديكاليّة. وهكذا تخلّت كتلتها النيابيّة المؤثّرة خلال مداولات المجلس التأسيسيّ عن قانون تحصين الثورة، وعن الفصل 167 من القانون الانتخابيّ الذي يقصي التجمّعيّين، وعن السنّ القصوى التي تمنع السبسي من الترشّح للانتخابات. فساهمت تلك التنازلات في تجاوز فكرة الاستئصال والاجتثاث وأدّت إلى انفراج ملحوظ أنهى حالة الاستقطاب السياسيّ الحاد. ومن حكمة الأقدار أنّ حركة النهضة تخلّت عن قانون "تحصين الثورة" لاعتبارات داخليّة واستجابة لضغوط كبيرة، فجاءها التحصين من مؤسّسة نوبل مدعوما بإرادة دوليّة لا مجال للتراجع عنها.

وللإجابة عن السؤال الذي عنون هذه التدوينة، يمكن القول بناء على ما تقدّم، إنّ الجائزة لم تخطئ طريقها. فجائزة نوبل للسلام لا تلتفت إلى الماضي بقدر ما تنظر إلى المستقبل. ولذلك فالتفاصيل لا تهمّها. إنّها ليست كأخواتها في الآداب والعلوم حيث تكون الجزئيّات الصغيرة مهمّة وحاسمة... العبرة في جائزة السلام بالنهايات التي تجنب الخلافات الخطيرة قبل أن تتطوّر إلى نزاعات مسلّحة فتسند على ذلك الاعتبار لمن يستحقّها.. وقد استحقتها تونس، أرض التعايش والحوار. لكنّ رسائلها وصلت إلى كافّة أرجاء الوطن العربيّ باعتبارها وهي تشيد بحوارنا وتوافقنا تدين التجارب الفاشلة التي حوّلت الثورات السلميّة في سوريا واليمن ومصر وليبيا إلى حروب مدمّرة وانقلابات دمويّة وفوضى شاملة..
تثمّن الجائزة باختيارها تونس ثورةَ الحريّة والكرامة، فتحرج المستبديّن والطغاة. وبذلك الموقف، ستساهم في تحصين المحطّات القادمة للمسار الديمقراطيّ في بلادنا لتكون بمثابة التميمة التي ستعمل على حمايتها من أشرار الداخل والخارج.. فلا مجال بعد نوبل للسلام لعودة فكرة الإقصاء لأيٍّ كان. والجائزة بذلك المعنى لا تمثّل مكافأة سخيّة لأطراف معيّنة بقدر ما هي تكليف للجميع بالمضيّ في طريق النجاح ومسؤوليّة للحفاظ على مبدأ الحوار ومراعاة مصلحة الوطن. فلا تبخسوا الجائزة قيمتها. وادخلوا في السلم كافّة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.