المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرازق قيراط Headshot

كيف تحوّل كنيسةً إلى مسرح؟

تم النشر: تم التحديث:

في العنوان ما يشبه التغريدة المستفزّة عملا بالقول الفلسفيّ المأثور: 'أنا أغرّد إذن أنا موجود' فهكذا قال ديكارت قبل أن يفكّر وهكذا أردت أن أغرّد على طريقتي بعد أن فكّرتُ في أبعاد الخبر العجيب الذي قرأته هذا الصباح.
يقول الخبر إنّ بلديّة صفاقس،(العاصمة الاقتصاديّة وثاني أكبر مدينة في الجمهوريّة التونسيّة)، رفضت مقترحا من وزارة الثقافة بتحويل مبنى الكنيسة إلى فضاء ثقافيّ متعدّد الاختصاصات. وأوضح بلاغ إعلامي صادر عنها "أنّ المجلس البلديّ رفض تحويل الكنيسة إلى فضاء ثقافي لأسباب عدّة أهمها أنّ انجاز ذلك المشروع مع ما يعنيه من هدم يتطلب حلولا بديلة للأنشطة والخدمات الإدارية التي يوفّرها المكان ويحتاج إلى اعتمادات ماليّة كبيرة غير متوفرة في الوقت الحالي"...

هكذا خسرت مدينة صفاقس فرصة جديدة لدعم بنيتها التحتيّة الترفيهيّة قبل أشهر من تحوّلها إلى عاصمة للثقافة العربيّة، بسبب التخلّف البيروقراطيّ وغياب الإرادة في اتخاذ القرارات الجريئة.

كما يبدو من الخبر أنّ السلطات تتحدّث عن ضرورة هدم الكنيسة لإقامة مبنى بديل، وذلك خطأ آخر لا يجوز التغافل عن خطورته. إذْ سيكون التفريط في هندسة ذلك الفضاء أمرا مؤسفا ينمّ عن جهل بقيمته المعماريّة والتاريخيّة.
إنّ ما ينقصنا في هذا المجال هو الاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة منها، ولذلك سأورد القصّة الواقعيّة التالية لتكون عبرة ومنوالا مفيدا في مجال إعادة الروح للفضاءات المهملة... عنوان القصّة: مرحبا بكم في بيتي.

"مرحبا بكم في بيتي"، هكذا استقبل جمهوره في بداية الحفل، إذا جاز تسميته كذلك، فلعلّه أشبه بصلاة خاشعة في محراب الفنّ بحكم الفضاء الذي احتضنه، ونظرا لحالة الخشوع التي كان عليها الجمهور وهو ينصت إلى ألحان ذلك الشابّ الذي تجاوز عقده الثاني بسنة واحدة. كانت أصابعه تتنقّل بخفّة ورشاقة تدلّ على تجربته الطويلة في العزف على البيانو، فقد تعلّم تلك "الرياضة" منذ صغر سنّه.. وفي العاشرة من عمره صار ملحّنا لأكثر من خمسة عشر عملا موسيقيّا من بينها قطعة عنوانها " موكب الدجاج"، ومن خلالها ترجم شغفه الكبير بدجاجاته المدلّلة حين كان طفلا صغيرا يقضي بعض أوقاته في مراقبتها، ينصت إلى أصواتها المنغّمة وتنصت إلى الألحان التي تنبعث من حركات أصابعه على مفاتيح البيانو.

في يوم الثالث من يونيو 2014، أقام الفنّان الانجليزي من أصل تايوانيّ "كيت أرمسترونج" حفله الافتتاحي لمسرحه الخاصّ تحت قبّة كنيسة القديسة تيريزا التي اشتراها سنة 2012، وحوّلها إلى فضاء ثقافيّ يلتقي فيه العازفون للقيام بتدريباتهم. بينما يتّخذ من الطابق الثالث مسكنا له.
وُلد كيت أرمستونج بكاليفورنيا، ودرس بالولايات المتحدة الأمريكيّة ثمّ بلندن وباريس حيث حصل على شهادة عليا في الرياضيات. وفي سنة 2012، اختار أن يستقرّ بإيستون في شمال فرنسا حيث شاهد تلك الكنيسة القديمة التي بنيت في ثلاثينات القرن الماضي. فتعلّق بها وجدانه وقرّر شراءها وتحويلها إلى مسرح لعروضه الموسيقيّة إحياءً لها بعد أن ظلّت مهجورة طوال عقود.

وعندما سئل عن سرّ إعجابه بذلك المعلم القديم، قال إنّه العشق من أوّل نظرة، ومن أوّل إنصات، فقد تحدّث عن هندسته الرائعة وانسجامها مع الأنظمة التي تتصل بالصوت والاستماع .. ولو كان يعرف الشاعرَ بشّار بن برد، لاستحضر ببيته الشهير: يا قومُ أذني لبعض الحيّ عاشقة // والأذن تعشق قبل العين أحيانا...

كيت أرمسترونج"، عازف البيانو الشهير، فنّان يثير الكثير من الأسئلة اللذيذة. ولعلّ من بينها السؤال: ما الموسيقى؟.. وعلى قدر لذّة السؤال، يأتيك الجواب عذبا بنقرات الراهب الذي عانق الكنيسة المهجورة، وأعاد لها المواكب الخاشعة.
انتهت قصّتنا، ولعلّه من الصعب أن تتكرّر أحداثها في الضفّة الجنوبيّة من المتوسّط.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع