المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرازق قيراط Headshot

عن مشهدٍ يونانيّ حزين

تم النشر: تم التحديث:

تؤدّي القروض الكثيرة وفوائدها الربويّة "الوحشيّة" إلى استعباد الناس والاستحواذ على ممتلكاتهم. واليونان منقادٌ إلى ذلك المآل. فبعد سنوات من دخوله دوّامة التقشّف لسداد ديونه التي بلغت 180 % من إجمالي الناتج الداخلي، صار لا يملك شيئاً من زمام أمره. ولئن صوّت اليونانيّون بـ (لا) رفضاً لإجراءات تقشف إضافية في استفتاء تاريخيّ، إلاّ أنّ الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، الجهاتِ التي تمنح قروضها للحكومة اليونانيّة، فرضت عليها إجراءات قاسية، وباتت تتحكّم في سياساتها حتّى تحوّل وزراؤها إلى دمى خشبيّة لا قدرة لها على إنقاذ البلاد من سوء العاقبة وبئس المصير.

لم يعد لأثينا ما تقرّره اليوم، دفاعا عن مصالح شعبها. فمؤسسات الاتحاد الأوروبيّ تأمر بإغلاق المصارف اليونانيّة، متى شاءت، وتحدّد السقف اليومي لسحب المبالغ النقدية بمقدار لا يؤَمّن الحياة الكريمة للمواطنين. وقد أُجبِر وزيرُ ماليّتها يانيس فاروفاكيس على تطبيق تلك الإجراءات الموجعة، ما دفعه إلى اعتبارها "جريمة إرهابيّة"، حسب ما أدلى به لصحيفة "الموندو" الإسبانية، قبل استقالته بأيّام، حيث قال: "إنّ ما يفعلونه مع اليونان يسمّى إرهابا، لماذا أرغمونا على إقفال المصارف؟ لماذا يبثون الخوف بين الناس؟ فعندما يعمدون إلى بثّ الخوف، تسمّى هذه الظاهرة إرهابا".

وعقاباً له على ذلك التوصيف، أجبر فاروفاكيس على الاستقالة تنفيذاً لرغبة أوروبيّة تطالب بإقصائه. وعندما تُقيلُ أوروبا وزيراً لا يروق لها، وتأمر باستبداله، تفقد أثينا مقوّمات سيادتها على نحو يكرّس عبوديّتها لأصحاب القرار من زعماء اليورو الأقوياء.

وتمثيلاً لذلك المصير، يمكن الاستدلال بمشهد سينمائيّ مُبين، ورد في بداية فيلم "الرسالة" للمخرج العالمي مصطفى العقاد، حيث استعرض القيم الجاهليّة التي تنظّم الحياة الاجتماعيّة والاقتصادية في مكّة قبل أن يجهر الرسول محمّد (ص) بدعوته إلى الدِّين الجديد. وحرص العقّاد على إبراز تعارضها مع الإسلام الذي أرسى أسُساً مغايرة تحرّرُ العبيدَ اجتماعيّاً، وتُحِلّ البيع وتحرّم الربا اقتصاديّاً. وفي هذا المجال، ركّز المخرج على أضرار المعاملات الربويّة بحوار مؤثّر، جمع بين تاجرٍ جشعٍ وأعرابيٍّ فقيرٍ يفاوض متوسّلاً لينجُوَ من ورطة الدّيْن الذي كبّله، إلى أنْ يقول باستغراب وحُرقة: "أنا أسدّد منذ خمس سنوات!". فيجيب التاجر مصمّماً: "ألا تفهم؟ الربا يتضاعف يتضاعف". ثمّ يغمز بعينه قائلا: "أهو لك؟". وعندئذ، يصعق الأعرابيّ خشية أن يفقد حماره. لكنّ الحمار لا يفي بنصف ما عليه كما لاحظ التاجر مستهزئاً، وعينُه على الغلام. وهكذا تحلّ المصيبة بالأعرابيّ فيخسر ابنه الذي سيباع في سوق العبيد تعويضاً لدّيْنٍ تضخّم وربا حتّى أصبح سدادُه مستحيلاً.

كذلك العبوديّة في اليونان. كانت مجرّد فكرة مخيفة، أرّقت وزير الماليّة المستقيل، فحاول إنكارها في إحدى تغريداته حيث قال بفخر:"استفتاء الخامس من يوليو، سيبقى لحظة فريدة قام فيها بلد أوروبي صغير ضدّ عبوديّة الديون". بَيْد أنّ تغريدتَه (الجميلة)، تناهض العبوديّة ولا تستطيع إلغاءها أو الحدّ من تأثيراتها الملموسة. فقد وافق البرلمان اليونانيّ على إجراءات التقشّف التي فرضتها مؤسسات الاتحاد الأوروبيّ مقابل خطّة إنقاذ جديدة.
واستسلمت سلطات أثينا لإملاءات موجعة تحت مسمّيات مستساغة كالإصلاح، وخفض النفقات، والخصخصة. فأقدمت على بيع شركة الكهرباء، وبيع الحصّة المتبقّية للدولة في رأسمال مؤسّسة الاتصالات اليونانية، لتفقد البلاد جميع مؤسّساتها الوطنيّة المثمرة بداية من مكاتب البريد وخدمات المطارات إلى هيئات الموانئ وشركات المياه والكهرباء والاتصالات.. وبتلك الخسائر، سيدفع الشعب المزيد من الفواتير الكارثيّة بعد الزيادة في جميع أنواع الضرائب، والرفع في سنّ التقاعد إلى 67 عاما ليقضي الأجراء أربعين سنة في مواقع العمل.

والمؤكّد أنّ الجهات الدائنة، كانت تقدّم ذلك التبرير السحريّ القديم في مفاوضاتها مع الطرف اليونانيّ فيقول قائلها: "ألا تفهم؟ الربا يتضاعف يتضاعف". وهكذا يتكرّر المشهد بتفصيلاته الصغيرة إلى أن يُطرح السؤال المخيف: "أهو لك؟"، ليستسلم بعدها حكّام أثينا، ويُسلّموا ما بقي بحوزتهم من مقدّرات البلاد، حتّى لا يُعْلَنَ إفلاسُها خوفا من تبعاته المدمّرة لمستقبل الاتحاد الأوروبيّ.

لقد حوّلت ديون اليونان شعبها إلى عبيد فقراء، يواجهون قساوة اجراءات التقشّف الصارمة التي أدّت إلى تراجع الأجور والمعاشات، وارتفاع الأسعار والضرائب، وتضخّم معدلات البطالة والفقر. وحسب بيانات موثّقة، فإنّ معدّلات الانتحار زادت بنسبة الثلث في الأشهر الأخيرة. واستُهلكت 10 ملايين علبة من العقاقير المقاومة للاكتئاب في سنة واحدة. وصار حال الشعب كحال من دخل نفقاً مظلماً بلا نهاية.

وإجمالا لكلّ ما تقدّم، برّر مصدر حكومي التنازلات التي أقدمت عليها أثينا بقوله "حين يكون المسدّسُ مصوّباً إلى رأسك سوف توافق أنتَ أيضا".

فهل فهمت أيها القارئ: "الربا يتضاعف يتضاعف"، وضحاياه لا خيار لهم إلاّ الموت قهراً واكتئاباً وانتحاراً، فلا جدوى من العقاقير، ولاءات الاستفتاء، والحكومات والوزراء من يمين أو يسار، ومجالس النواب، ونصائح الخبراء. لا ينفع شيء من كلّ ذلك أمام أشدّ أنواع الإرهاب فتكاً ودماراً واستهتاراً، إرهاب الأغنياء لتفقير الشعوب والهيمنة على مقدّراتها بأنظمة فاسدة وتشريعات جائرة... والظلم يتضاعف يتضاعف!