المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرازق قيراط Headshot

حبّ قاطع ومقطوع.

تم النشر: تم التحديث:

الحب علاقة لا تحتمل الأسئلة الواضحة المباشرة.. وإلاّ فالنهاية لن تكون سعيدة أبدًا.. والتجربة خير دليل.
عرفتُ الحبّ في سنّ مبكّرة مع دخول المدرسة الإعداديّة حيث تعلّقتُ بزميلة لي على قدر كبير من الجمال.. كان ذلك في بداية الثمانينات من القرن الماضي.. زمن جميل كنا نردّد فيه أغاني عبد الحليم وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب في طريق الذهاب إلى المدرسة والإياب إلى البيت، وحتّى في الطابور ونحن واقفون ننتظر وصول المدرّس ليأذن بدخولنا إلى الفصل.. وكانت أغنيتي المفضّلة التي أترنّم بها: حكيم عيون أفهم في العين.. وأجمل ما فيها الحوار اللذيذ الذي يمنحني الفرصة لمخاطبة زميلتي الواقفة بجانبي فأقول سائلًا:

- فيه يا ترى حد يهمّك شاغلك ومشغول به قلبك؟
وتجيب بصوتها الجميل:
- إممممم
- والشخص ده موجود هنا؟
- إمم
- يعنى انتِ عارفاه مش كده؟
- إمم
- والشخص ده شايفاه دلوقتى قدامك؟
- بالطبع لأ..

وهنا يصل المدرّس فتنتهي المحاورة.. ولكنّنا، وبحذر شديد، نستأنفها أثناء الحصّة. فقد كنت أجلس على مقربة من فتاتي في المقعد الذي يليها مباشرة..

وفي إحدى الحصص، رغبت في التأكّد من حقيقة مشاعرها نحوي، فأخذت ورقة صغيرة وكتبت لها رسالة عاجلة.. ناولتها الورقة بصعوبة خوفًا من تفطّن المدرّس، وظللت أراقبها حتّى فتحتها، فشاهدتُ وجهها الذي تحوّل إلى وردة.. وبعد لحظات وبدون تفكير أو انتظار، تناولت قلمها لتكتب الردّ..

***

أعترف الآن أنّي لم أكن رومانسيًّا مثل الغلام الذي أحبّ فدوى طوقان وهي تلميذة في الصفّ السادس، فقد أرسل لها، زهرة كما تروي في سيرتها الذاتيّة (رحلة صعبة رحلة جبليّة): "كان التواصل الوحيد الذي جرى لي مع الغلام هو زهرة فلّ ركض إليّ بها، ذات يوم، صبيّ صغير في حارة العقبة وأنا في طريقي إلى بيت خالتي".

وبتلك الرسالة العطرة، تحرّكت مشاعرها وعرفت الحبّ لأوّل مرّة في حياتها: "امتلأت الأعماق بعطر الفلّ الغامض العجيب، وحرّك مشاعري شيء يستعصي على التفـسير.. اكتشفت شيئًا جديدًا في نفسي وفي العالم، شيئًا غريبًا جدًا، ووقفت مبهورة الأنفاس أمام دهشة الحبّ الأوّل".

ولكنّ قدر المحبّين أن تنتهي قصصهم نهاية حزينة، وبذلك تتشابه مهما اختلفت تفاصيلها الأخرى..
في قصّة فدوى، غضب شقيقها يوسف بعد أن أعلمه الوشاة بأمر الزهرة، فأدّب الغلام، وحكم على أخته بالإقامة الجبريّة في البيت، وهدّدها بالقتل إذا تخطّت عتبته..

وفي قصّتي، غضبتُ من نفسي ومن الرسالة التي كتبتُها على عجل بطريقة تشبه المعادلات الرياضيّة التي لا تقبل المناورة أو الاستدراك أو الأجوبة الغامضة.. طرحت عليها سؤالًا دقيقًا، والأسئلة الدقيقة تفسد قصص الحبّ وتنهيها بسرعة غير متوقّعة.. ولعلّ تاريخ البشريّة مليء بالكوارث والهزائم بسبب الأسئلة الخاطئة التي نطرحها في الوقت الخاطئ.. لذلك نحتاج في أحيان كثيرة إلى استبعادها خاصّة إذا كانت تستدعي بالضرورة أجوبة لا نريدها..

وهكذا انتهت مغامرتي الأولى بسبب ذلك السؤال الواضح العجول: هل تحبّينني؟.. ومع ذلك الطرح، طلبت إجابة واضحة، وكنت عمليًّا إلى أبعد حدّ، فأضفت للسؤال خيارين لا ثالث لهما: نعم/ لا.. وأمام كلّ خيار رسمت بقلمي دائرة صغيرة للإجابة بإشارة قاطع ومقطوع!

وكانت إجابتها قاطعة لدابر الحبّ والمحبّين: لا.