المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن يوسف Headshot

الكل مرعوب!

تم النشر: تم التحديث:

يطلُّ علينا "سيسي" بعينين زائغتين، وأنفاس متهدجة، لقد كان يركض، منذ سنوات يركض خلف هذا الكرسي، ويركض للحفاظ عليه، بل إنه قد ركض خمسين عاما ليفهم معنى الدولة.

يتحدث عن الاغتيال مرات ومرات في خطاب مدته عدة دقائق، يقول المتخصصون إن لغة جسده تقول إنه مريض "سيكوباتي" في أقصى حاجة للعزل والعلاج الفوري!

سيحدثك بعض الناس عن أنهم يرون في حديثه ثقة في النفس، وأنه لا يقيم اعتبارا لأي أحد، لذلك يتحدث بهذه اللهجة من التهديد والوعيد... والحقيقة أن الإنسان حين يفقد الثقة في نفسه من الممكن أن يقتنع بأي شيء.

لقد كان يتحدث بشكل واضح ردا على تهديدات من داخل المؤسسة العسكرية بعد أن قرر - في خطوة محسوبة أو غير محسوبة - أن يحتجز رئيس الأركان الأسبق الفريق سامي عنان. ماذا قال السيد عنان في التحقيقات سبب له كل هذا الرعب؟ لا أحد يدري!

خطاب ارتجالي غاضب يشمل - في نهاية الأمر - تهديدالكل المعارضين وغير المعارضين، وإلى كل من يفكر في نزول الشارع.

حين قال "سيسي": "ما حدث لن يحدث"، كان يقصد خلع مبارك، وهو حين يتحدث عن ذلك فهو يقصد مقدمات هذا الخلع، أي أنه لن يسمح بوجود أي شكل من أشكال السياسة في البلد، لذلك قال "أنا مش سياسي"... والتكملة "أنا قاتل"... وتكملة التكملة "أو مقتول"!

خطابه موجه لأجهزة الأمن؛ التي لم يتمكن من إخضاعها لإرادته رغم كل هذه السنين في السلطة

وزير الدفاع بجوار "سيسي" يصفق!

ليس غريبا أن يصفق، ليست المرة الأولى، ولكن كل هذا التصفيق بهذه الطريقة الهستيرية (أحيانا كان يصفق لوحده)، وأن يصفق في الوقت الذي ينظر له رئيس الجمهورية بنظرة التهديد والوعيد تلك... فذلك لا يعني سوى حالة "رعب" أخرى.

الجيش مرعوب!

ما الذي يرعب الجيش المصري؟

إنه مرعوب من جيش "سيسي" الخاص... كلنا نعرف ذلك، لقد أمم "سيسي" وحدات كبيرة من القوات المسلحة، واستحوذ على الحرس الجمهوري، والمخابرات العسكرية، وغيرها... وصنع من كل ذلك جيشا له هو، يأتمر بأمره. صحيح أنه لا يثق في هذا الجيش الجديد أيضا، وثقته محصورة في دائرة قطرها ثلاثة أشخاص ونصف، ولكن في النهاية إنه يهدد الجيش بجيش، وهذا ما سبب حالة من "توازن الرعب"... ذلك الرعب الذي كان باديا على وجه وزير دفاع الانقلاب "صدقي صبحي"... إنها حالة جديدة على العسكرية المصرية.

أين السياسيون والنشطاء والكُتّاب من ذلك كله؟

الحقيقة إنهم مرعوبون!

نحن أمام دولة وأجهزة ومؤسسات غير قابلة للتفاوض، تقتل بدم أبرد من الثلج، تسجن بجرة قلم، تشرد الأسر بوشاية، تصادر الأموال بلا أي اكتراث، تعتقل وتطارد وتعتدي على النساء والأطفال والشيوخ، وكأنها في حرب مع التتار... لذلك لا مجال لأي حراك أو احتجاج. وكل من هو داخل مصر مهدد بالقتل أولا، ثم بغير ذلك من أنواع التنكيل، بل إن المعارضين في الخارج أيضا لديهم تهديداتهم الخاصة، وحوصر كثير منهم بشتى الطرق. جميع المعارضين يتحركون في هامش محدود محدود، هامش لا يكاد يسمح بالتنفس، لذلك ماتت السياسة في مصر.

ماذا عن الناس؟ أين الشعب؟ أين ذلك الشارع الذي امتلأ بعشرات الملايين لسنوات طوال بعد ثورة يناير؟

الشارع أيضا مرعوب!

فعواقب تحرك الشارع في ظل وجود هذا "السيكوباتي" في الحكم تعني آلاف الشهداء.

الشارع مرعوب من مخاطرة غير محسوبة العواقب، بسبب نخبة لا تملك بديلا، وفي ظل انسداد للأفق، فلا أحد يملك أي وعد للناس بأنهم إذا ضحوا سيحظون بمكاسب محددة، لا قيادة للجماهير - ولو رمزيا كما كان في 2011 - وهذا الوضع هو ما يكرس الرعب في قلوب الناس.

الشعب المصري يستجيب ويضحي، ولكن المجانين فقط هم من يضحون تضحيات مجانية، مقابل لا شيء. لا توجد صيغة للخلاص لكي يتحرك الناس باتجاهها، وهم في حالة من عدم اليقين تؤكد لهم أن أي تحرك ستكون تكاليفه كبيرة، وعواقبه وخيمة، ومكاسبه محدودة أو معدومة.

الكل مرعوب إذن... وفي ظل هذا الرعب الذي يحكم تصرفات سيسي والجيش والنخب والشعب... من ينتصر؟

لا توجد صيغة للخلاص لكي يتحرك الناس باتجاهها، وهم في حالة من عدم اليقين تؤكد لهم أن أي تحرك ستكون تكاليفه كبيرة

في نهاية الأمر... أؤمن أن الشعب سينتصر، وأن هذه الثورة ظافرة بإذن الله، عاجلا أو آجلا، ولكن أستطيع أن أقول إن المنتصر في هذه الجولة هو من ينتصر على رعبه أولا، ثم يبدأ بالتخطيط لاستكمال انتصاره بأعصاب هادئة، وبخطط محكمة، وبتحالفات قوية.

والحقيقة التي ربما لا يراها كثيرون - بسبب حالة الرعب تلك - أن المعارضة المصرية بكل أطيافها، وبكل مواقعها الجغرافية، وبكل تنوعاتها الفكرية، هي المؤهلة للتخلص بسرعة من حالة الرعب أكثر من جميع أطراف المعادلة.

والحق يقال إن هناك تحركات تحترم من كثير من تلك النخب في الداخل والخارج، نتمنى أن تثمر، وثمرتها تكون بتجاوز الخلافات، وعقد اتفاق سياسي واضح، يقدم للشعب المصري - بكل مكوناته أيضا - خارطة طريق.

حين يقدم السياسيون للشعب هذا الأمل... سينتصر الشعب على رعبه؛ لأنه لا شيء لدى الناس يخسرونه بعد كل ما حدث.

الفرصة الثانية عند الجيش... فهو يملك فرصة كبيرة للانتصار على رعبه، ولكن هل يملك هؤلاء أن يتحركوا؟ لهم حسابات كثيرة ومعقدة، خصوصا بعد الجرائم التي ارتكبها القادة في حق الناس.

أما أضعف الأطراف فرصة فهو هذا الذي شاهدناه الأسبوع الماضي.

إن فرصة "سيسي" في الانتصار على رعبه قليلة، فقد وصل إلى درجة من الرعب تحتاج وقتا لكي يفيق منها، خصوصا في ظل الحالة الإقليمية والدولية التي يقل فيها الاعتماد عليه بسبب ما يبدو أنه فشل أو تعثر لصفقة القرن.

تأخر الآخرين في الانتصار على رعبهم سيعطي هذا المرعوب فرصة الإفاقة من رعبه، وهو حين يفيق منها سينتقم انتقاما لا يليق إلا بأمثاله.

هذه التدوينة منشورة على موقع عربي21

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.