المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن يوسف Headshot

ما الذي حدث؟

تم النشر: تم التحديث:

حين تحاول الأمم الإجابة عن سؤال التاريخ تكتب ما الذي حدث كما حدث، ثم يأتي أناس -عبر الأجيال المختلفة- لاستخلاص العبر مما حدث.

صحيح أن (ما قد حدث) ستكون فيه روايات متعددة، تختلف وربما تتناقض، ولكن في النهاية يبقى قاسم مشترك بين الروايات جميعها، وتبقى أوزان نسبية للأحداث الكبرى، والشخصيات الأكثر تأثيرا.

نحن العرب تعجبنا مقولة (التاريخ يكتبه المنتصر)، والحقيقة أن التاريخ يكتبه المنتصر والمهزوم، ولكن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا يقرأون الرواية التي يفرضها عليهم الأجنبي، ولا يجهدون أنفسهم في جمع الروايات المختلفة للأحداث.

***

في جميع الأحداث الكبرى تجد روايات مختلفة، وإذا دققت فيها ستتمكن من معرفة الحقيقة أو جزء كبير منها على الأقل، وستتمكن من معرفة أكاذيب، وأساطير، وأوهام ... الخ.

المشكلة حين يكون هم كل مجموعة أو جيل يدوّن التاريخ أن يظهر أدلة براءته ونقاءه، وأن يخفي جميع أخطائه وخطاياه، في هذه الحالة يتم تزوير التاريخ، ولكن ... هل هناك مشكلة في تزوير التاريخ؟

يظن البعض أن تزوير التاريخ مشكلة نظرية، وأن التاريخ كله مجرد (رياضة ذهنية) تجريها الأمم، مسابقة معلومات، ورق حائط مزركش يمنح جمالا للحجرة، ديكور لا علاقة له بمتانة الحائط نفسه.

والحقيقة أن التاريخ سلسلة متصلة لا تعرف الانقطاع، واللحظة الحالية حلقة في هذه السلسلة، ولا مجال لتدارك أخطاء الماضي إذا لم نعرف حق المعرفة ما الذي حدث مع الأجيال التي قبلنا، بل إن السيناريو الأقرب للواقع هو أن يقع الجيل اللاحق في الأخطاء نفسها التي وقع فيها الجيل السابق، وكل ذلك لأن جيلا ما فضّل أن يبيض صفحته، وأن لا يكتب ما الذي حدث، وأن يخفي أخطاءه وخطاياه، وأن يمنح نفسه وسام شرف وهمي، وسام ربما يكون غير مستحق.

إن التاريخ نقطة ارتكاز الحاضر، وكثير من كوارث الحاضر ليست إلا امتدادا للتاريخ.

***

لكل جيل أخطاؤه، ولكل جيل إنجازاته، وتحميل جيل بعينه عبء تحول الزمن وإدباره، أو تغير الوقت وإقباله، سيكون مبالغة في أغلب الأحيان، ولكن ذلك لا ينفي أننا أمام مشكلة تاريخية عويصة، وهي أننا اليوم أمام جيل الربيع العربي، ذلك الجيل الذي حُرِم من تجربة الأجيال التي سبقته.

لقد مرّت الأمة العربية بعشرات السنين من الانقلابات العسكرية، ولكن حين جاء جيل الربيع العربي تعامل مع انقلابات عصره دون تلك الخبرة التاريخية والرصيد المعرفي الوافر ... كل ذلك لأن أجيالا سبقته قررت أن تغطي أخطاءها وخطاياها.

***

في مصر ... دَوَّنَتْ كل جماعة سياسية ما حدث في الفترة من يوليو 1952 إلى مارس 1954 كما يحلو لها ... أو بمعنى أدق ... بما يُبرئ ساحتها، ويُظهرها في شكل البطل المضطهد، أو الوطني المجتهد، أو القيادة التي تواجه التحديات الداخلية والخارجية ويتآمر عليها الكون.

لن تجد فارقا يُذكر بين سلطة ومعارضة في هذا الأمر !

الناصريون لا يعترفون بسلطوية عبد الناصر، ولا بفساده ومحسوبيته التي صنعت دولة أسياد وعبيد، وأدت إلى هزيمة ساحقة ما زالت تسيطر علينا إلى اليوم.

واليساريون لا يعترفون بمقايضتهم لمبادئهم لكي يخرجوا من السجون، ويشاركوا في السلطة (بشكل ما).

والإسلاميون لا يريدون أن يعترفوا أن سعيهم إلى السلطة أنساهم كثيرا من مبادئهم، لذلك لم يدونوا أن رجلا عظيما مثل الأستاذ سيد قطب بارك أحكام إعدام للمختلفين معه ... فكانت نهايته الإعدام !

***

لو أن كل مجموعة من هؤلاء نقلت (ما الذي حدث) بأمانة، لما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم.

لو أن ما حدث في ذلك الزمن دُوِّنَ كما ينبغي، لربما كان بعض من تحيز للعسكر في بداية الثورة قد احترس قليلا، واتعظ بما حدث لسيد قطب.

لو أن بعض من تحيزوا للانقلاب العسكري في 2013 قرأوا نهاية رجل مثل "السنهوري" لربما راجع هؤلاء أنفسهم أيضا.

لو أن بعضا ممن تحيز للرأسمالية المتوحشة باسم اليسار عرف ما حدث في الستينات لليسار المصري، وكيف أصبح هذا اليسار اليوم جثة ملقاة على قارعة الطريق ... أقول لربما كان البعض اتعظ !

***
ليس الهدف من هذه المقالة أي شكل من أشكال البكاء على أي لبن مسكوب، بل هي مقالة ما كُتبت إلا للمستقبل ... المستقبل هو تاريخ الغد !

لذلك أقول ... إن من واجب جيل الربيع العربي أن يُدوِّنَ بأمانة (ما الذي حدث) منذ اندلاع ثورة الياسمين في أواخر أيام 2010 وأن يكون هذا التدوين هدفه تسجيل الأحداث كما هي، لا كما نتمناها، أن تكون انعكاسا لما جرى على الأرض، لا شهادة ميلاد زعامة، أو شهادة وفاة تيار.

إن تدوين ما حدث كما حدث ... يعد من أكبر الهدايا التي يمكن أن نمنحها لأنفسنا أولا، ولمن بعدنا ثانيا من أبنائنا، وللبشرية كلها ثالثا ... لأن تجاربنا ليست ملكا لنا نحن فقط، بل هي تجربة إنسانية عميقة، تستحق الترجمة والتعميم على كل المظلومين في الأرض.

***

من أسخف ما يحدث أن يتم التركيز على تدوين فصل الانتصار، وأن ننسى أن الانتصارات لا تولد إلا من رحم الهزائم.

لا يوجد نصر كبير في التاريخ كله لم يسبقه هزائم كثيرة !

أعلم أن جهودا كثيرة بذلت في تدوين ثورات الربيع العربي، ولكنها حتى الآن تبقى غير كافية، وتحتاج إلى مزيد ومزيد من التدقيق، والتوسع في السرد، والتنقية من التحيزات السياسية.

لقد اكتشف غالبية ثوار يناير أن مصر تحت حكم عسكري بعد فوات الأوان، بعضهم لم يكتشف ذلك إلا مؤخرا، وهو أمر أوضح من أن يوضح، إنها حقيقة بجلاء شمس صيف القاهرة، فكيف اختفت هذه الحقيقة التي تسيطر على حياتنا منذ أكثر من ستة عقود؟

لقد اختفت لأن جيلا ما ... قرر أن لا يقول (ما الذي حدث)!

- هذا المقال منشور على موقع عربي 21

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.