المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن يوسف Headshot

حديث المصالح "2"

تم النشر: تم التحديث:

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن اختيار نوع المصالح، وكيف أن الأفراد والجماعات والدول تمارس ذلك الاختيار، وأن الجميع يختارون المصالح التي تناسب قيمهم الحضارية والأخلاقية.

اليوم سنتحدث عن اختيار أولويات المصالح، وهو أمر أوضح ما يكون لدى الدول، ومن يختار مصالح الدول هو الشعوب، ولكن من يطبق ذلك هو الحكام.

ومصالح الدول يتم اختيارها عبر أجيال وأجيال، ومع الوقت تصبح لدى الأمم ثوابت لا ينبغي التفريط فيها، والتفريط فيها من أهم علامات الانهيار والانحطاط.

النوع الأول: مصالحنا قبل مصالحكم

وهذا هو الأمر المنطقي في سياسة الدول المستقلة، أن تختار مصالحها قبل كل شيء، وقبل كل الشعوب، دون إضرار بأحد.

والمقصود هنا أن تصبح الدولة مستقلة استقلالا تاما، ولا تتنازل عن أي حق من حقوقها، ولا أي ثروة من ثرواتها، ولا أي مورد من مواردها، ولا عن أي مصلحة من مصالحها الآنية أو المستقبلية.

والمصلحة عند الدول المستقلة تعني مصلحة الأمة، أي آحاد الناس، ومؤسسات الدولة، ليس في اللحظة الراهنة فقط، بل بما يحفظ مصالح الأجيال القادمة أيضا.

النوع الثاني: مصالحنا ومصالحكم

قد تلجأ له الدول المستقلة حين تمر بفترات ضعف نسبي لذلك، فهي تقبل باقتسام مصالحها ومواردها مع من هو أقوى منها، أو تجنبا لحرب، أو تأجيلا لمشكلة، وفي العادة يدفع الناس أو الأجيال اللاحقة ثمن هذا التفريط.

هذا ما حدث مع انجلترا وفرنسا حين تم التنازل لهتلر في ثلاثينات القرن العشرين عن مناطق نفوذ هامة داخل أوروبا، فقد أدى ذلك إلى تأجيل المشكلة بين ألمانيا وأوروبا، بما سمح لهتلر ببناء جيش جبار، نتج عنه حرب عالمية ثانية قتل فيها أكثر من خمسين مليون إنسان، أي أن أوروبا حاولت منع حرب محدودة، فنتج عن ذلك حرب عالمية كبرى.

وفي مثل هذه الأحوال قد يستطيع الطرف الأضعف أن يستثمر الفرصة لتقوية نفسه، وإعادة بناء مؤسساته، وتربية جيل جديد، من أجل جولة جديدة في صراع الأمم.

النوع الثالث: مصالحكم قبل مصالحنا

وترى هذا الأمر في الدول التي يبتليها الله بحكام خونة، ولكنهم يأتون على رأس دولة ما زالت قوية.
ومصير هذا النوع من الحكم دائما هو الانهيار، فإما أن يتحرك الناس لإنقاذ مصالحهم، وإما أن يستمر الحاكم في مسلسل التنازلات حتى تضيع المصالح الكبرى للأمة.

لعل أبرز من يمثل هذا النوع من الحكم هو الرئيس المخلوع "حسني مبارك"، لقد ظل يفرط في القرار الوطني حتى أصبحت مصر دولة تابعة، وظل يفرط في الثروات حتى فقدت مصر مخزونها من الغاز، وظل يفرط في الموارد فأعطى لإثيوبيا الفرصة الأولى لبناء سد النهضة.

تلك الفترة (أعني أواخر الحرب الباردة) ستجد كثيرا من الدول قد مرت بهذه الحالة، خصوصا بعد سقوط الحليف الروسي، وأثناء محاولة بناء تحالفات دولية جديدة وفقا لميزان قوى جديد.

النوع الرابع: مصالحكم فقط!

ولتذهب مصالحنا إلى الجحيم...!

هنا يحدث انفصال كامل بين مصالح الأمة ومصالح الطغمة الحاكمة!

وهذا النوع من الحكّام لا يأتي فجأة، بل لا بد له من مقدمات طويلة، أو حرب ينتج عنها هزيمة ساحقة، بحيث يتولى الأمر مجموعة من الحكام العملاء.

الحاكم في هذه الحالة مجرد سمسار لمصالح الأجانب، لا همّ له سوى إرضاؤهم، فهو منهم، ولهم، وبهم.. وبدون أسياده الذين وضعوه في السلطة لا مكان له إلا السجن أو القبر، أو المنفى.

هذا النوع من الحكام أخطر أنواع الحكام على الأمم، لأنه يستطيع أن يرتكب جرائم لا مثيل لها، جرائم لا يجرؤ المحتل أن يرتكبها، فالمحتل دائما مصاب بعقدة استفزاز الناس، ودائما لديه مشكلة الشرعية، ولديه الخوف من انتفاضة الناس ضده، وأن تعلو راية مقاومة.

أما هذا الحاكم الذي نتحدث عنه فهو يرتكب كل ما لا يجرؤ عليه المستعمر بمنتهى الصفاقة، يرتكب الخيانة العظمى مرة تلو الأخرى وهو يرفع علم الدولة، وينشد النشيد الوطني، ويعد المواطنين بأنهار العسل واللبن، ويمنّ على الناس بتضحياته من أجل هذا الوطن الغالي الذي يفديه بعينيه.

إذا أردت أن ترى هؤلاء ... انظر حولك ... إن هذا النوع من الحكام يعتبر "غالبية" في وطننا العربي!

لا تقدم لأمة إلا بالتخلص من هذا النوع من الحكام، ولا حفظ لمصالح الناس الحالية والمستقبلية إلا بالاستقلال التام، وبأن تصبح مصالح الأمة قبل كل شيء، وأن لا تكون الإرادة الوطنية ورقة تفاوض معروضة للبيع والشراء بالدرهم والدينار والدولار وأكياس الرز.

من كل ما سبق.. ينبغي على أهل الثورة أن يختاروا مصلحة الأمة، وأن يعلموا أنهم لا بد أن يبنوا تحالفات داخلية، وخارجية.

لا بد أن يعلم أهل الثورة أن من أهم عوامل نجاح الثورات هو القدرة على معرفة حقيقة المصالح الثابتة والمتغيرة، والقدرة على بناء التحالفات مع الأنظمة التي تتبادل مصالحها معنا، دون أن نكون تابعين، ودون أن نبيع قرارنا الوطني لأي جهة أو دولة كانت.

بين يدي القدس: ما زال الشعب الفلسطيني يلقننا نحن الشعوب العربية درس الصمود يوما بعد يوم ... وما زال يعري غالبية الأنظمة العربية بخياناتها السرية والعلنية.

بفضل صهاينة العرب في قصور الحكم أصبحنا نتمنى أن تتقلص مساحة إسرائيل من الفرات إلى النيل بعد أن أصبحت من المنامة إلى طنجة إلا من رحم الله.

لولا شعب فلسطين ولولا أهل القدس لانتهت القضية الفلسطينية منذ عقود.. فتحية لهؤلاء الصامدين القابضين على الجمر في الأرض الفلسطينية المحتلة.. تحية لهم في جمعة غضب لها ما بعدها.. طبتم وطاب مسعاكم يا أهل فلسطين ويا أهل القدس.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.