المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن يوسف Headshot

في الأفق نور يا صديقي

تم النشر: تم التحديث:

صديقي العزيز الشاعر محمد فوزي...

بعد التحية...

وصلتني رسالتك... قرأتها مرّات ومرّات... ودعوت الله أن يجمعنا على الخير قريبا في وطن حر ... رسالة كباقة ورد... وما أكثر الشوك في الورد!

وصلتني رسالتك... مكتوبة على الكمبيوتر، ومرفق بها صورة من الرسالة الأصلية التي كتبتها بخط يدك... ولسبب ما قرأتها صفحة صفحة من الصور... قرأتها بخط يدك أنت، ولم أقرأها بالخط "الصناعي"!

خطك جميل، غير متردد، واثق... عدة صفحات كُتبت في ظرف قاس، ولكنها بلا خربشات ولا أخطاء، صفحات نقية، لا شطب فيها إلا أقل القليل، ولا أظنك كتبت مسوّدة ثم بيّضتها.

تأثرت حين رأيت أن الموضع الوحيد الذي شطبت فيه هو حيث قلت: (أستاذ عبد الرحمن يوسف... هل تسمح هذه الذاكرة المشتركة بيننا أن أُبدِّلَ النداءَ فأقول: "صديقي"؟ صديقي القريب رغم الأسوار والمسافات أشكُركَ).

خجلك وأنت تطلب هذا الطلب -بسبب فارق السن ربما- أخجلني أنا... ولولا أنني أكتب هذه المقالة بخط اصطناعي على الكمبيوتر... لوجدتني قد شطبت أنا أيضا ما كتبته عدة مرات... تماما كما فعلت أنت يا صديقي، لا أريد أن أبتذل مشاعري تجاهك، ولا أريد أن أتقمص دور الطاعن في السن!

تعوّدت منذ سنوات طوال أن يكون لي أصدقاء أكبر مني سنا بكثير، وأصغر سنا بكثير أيضا... وبسبب أصدقائي الذين هم أصغر مني كنت متأكدا من اندلاع ثورة يناير قبل أن تحدث بعدة سنوات.

كان من أحب أصدقائي الكبار وأقربهم إلى قلبي... صديقي المفكر العربي العظيم الدكتور أحمد صدقي الدجاني... وكذلك الدكتور عبدالوهاب المسيري... أستطيع بثقة أن أقول إن علاقتي بهذين الرجلين كانت أولا وقبل كل شيء علاقة صداقة، وهذا كرم منهما.

ما زلت أذكر حين التقيت في مرة بأخي العزيز مهدي ابن الدكتور أحمد صدقي الدجاني... التقينا صدفة في الشارع وكان معه بعض أصدقائه، فعرفهم بي قائلا بكل صدق (هذا عبدالرحمن... صديق والدي)!!!
وكم أنا سعيد بصداقتك يا محمد.

منذ قرأت شعرك للمرة الأولى منذ عامين تقريبا وأنا أتخيل الندوات الشعرية التي ستجمعنا سويا في القاهرة والإسكندرية... والمنصورة بالطبع... وكلي ثقة أن هذا اليوم قريب.

وصلتني رسالتك... وكنت قد بدأت مقالة بعنوان (شاعر الثورة)، تدور فكرة المقالة حول أن ثورة يناير تحتاج شاعرا يعبر عنها، وربما تحتاج جيلا كاملا من الشعراء، صحيح أن هذا اللقب ربما يكون قد ارتبط باسمي (وهذا شرف أحمله لآخر عمري ممتنا لهذا الشعب، أحمله في انتصار الثورة وانكسارها)، ولكن الأمر أكبر من اسم شاعر واحد... فثورة يناير تحتاج إلى من يعبر عنها في كل مراحلها، وهي الآن تنتظر مجموعة من الشعراء يعبرون عن حالة الاغتراب، والسجن، والمنفى، والقتل، والصراع الدائر بين الخير والشر... كل ذلك لم يتمكن -وربما لن يتمكن- شاعر واحد من التعبير عنه، مهما بلغ من الموهبة والقدرة.

للأسف الشديد... لا ألمح في الأفق شعراء قد نذروا مشروعهم الشعري من أجل هذه الثورة، أو من أجل قضية التغيير، أو من أجل محاربة القبح الذي يلفنا بنشر آيات الجمال في سماء مصر.

حالة الشكّ التي تحدثت عنها في رسالتك أسعدتني أيما سعادة... نحن في حاجة إلى مراجعات، من بداية إيماننا بالله وطريقة تديننا، إلى مسلماتنا في السياسة وطريقة الحياة بكل ما فيها من أكل وشرب وتحيزات صغيرة.

الشك ظاهرة صحية... وكم أنا سعيد بما في رسالتك من يقينك بالحق، وإيمانك بالشعر... لأن يقينك ذاك لم يأت إلا بعد اختبار شك عميق... وما أعمق الإيمان حين يأتي بعد شك من هذا النوع.
شكك شاعري جدا... يذكرني بالفيلسوف الصيني "صن تشزو"... لقد رأي في الحلم ذات ليلة أنه فراشة... وحين أفاق لم يَدْرِ هل هو إنسان رأى في الحلم أنه فراشة... أم أنه فراشة تحلم أنها إنسانّ!

وصلتني رسالتك... خَبَّرْتَني عن حالك... فدعني أخبرك عن حالي... ما زلت - مع غيري - ننحت الصخر لتوحيد الجماعة الوطنية، لكي يتمكن النور من هزيمة الظلام، فلا أمل في أن يتغير الوضع الحالي إذا ظللنا متفرقين بهذه السذاجة.

كثير ممن كنا نعتبرهم ثوارا ألقوا سلاحهم، وأصبحوا عالة على هذه الثورة، لا عمل لهم بعد أن يئسوا سوى تيئيس الآخرين، وبعد ذلك وصلوا لمرحلة أخرى هي تعويق كل العاملين من أجل توحيد الصف الثوري.

يقول الكاتب الكبير توماس دي كوينزي (إن اكتشاف مشكلة جديدة لا يقل أهمية عن اكتشاف حلٍّ لمشكلة قديمة !)... لأن اكتشاف الحلول مستحيل إذا لم تكتشف المشكلة، ونحن الآن في مرحلة أصبحت فيها كثير من الأفكار والجماعات والشخصيات مشكلة في حد ذاتها، ولكن يبدو أن كثيرا منهم لم يكتشف - رغم كل ما حدث - أنهم المشكلة أو على الأقل جزء من المشكلة.

وفي الوقت نفسه كثير ممن كانوا في الخلف - مثلك - أصبحوا في الأمام... حتى لو كانوا في سجن (من أي نوع)... لقد حجزوا أماكنهم في الطليعة، وحين تطوى هذه الصفحة ستسير الأوطان من خلفهم نحو النور.

وإني أبشرك... بأن توحد الثوار سيتم... قد يستغرق بعض الوقت، ولكن جميع المؤشرات أمامي تقول إنه سيتحقق بإذن الله.

قلت في رسالتك / (الظلام الذي علمني كيف أقدس النور، وأحميه، وأمرره للرفاق داخل زنازنهم ولو على جناحي قصيدة)... أنت تقول ذلك في السجن... لأنك ترى الأمر الواقع تحديا يستفزك... للأسف... أرى من يتعلم من الظلام أن يصبح عدوا للنور، وأن يكره النور، وأن يعتبر سعيه للنور هو سبب إطباق الظلام، وأنه لولا مطالبته بالنور لما حكم عليه بالظلام، وأنه كان ينبغي عليه أن يتمهل قبل أن يواجه الظلام!

الشعر فرصة للجمال وقدرة على المقاومة، ومن أسوأ ما تبتلى به الأمم هو مجموعة من المبدعين اليائسين، أو من الثوار أو السياسيين والنخب عديمي الخيال، يرون الأمر الواقع مشكلة لا حلّ لها سوى الخنوع... بعكسنا نحن المبدعين الحقيقيين... نرى ما يراه الآخرون كمشكلات لا حل لها... نراها تحديات، ويستفزنا ذلك التحدي دائما للعمل.

أنت على الطريق الصحيح يا محمد... بالفطرة... بالشك العميق الذي يؤدي لليقين... لذلك كم أسعدني قولك:

(نصحني بعض أصدقائي أن أكتب عن أشياء أخرى منطلقا خارج السجن، وبقيت أنا مُصرًّا أن أغوص لعمق السجن أكثر قراءة وكتابة.. أفتش عن أدب السجون دائما، أريد أن أعرف ماذا كتب هؤلاء البشر اللذين تعلقوا مثلي أحياء في قبور، أن أعرف كيف يواجه الإنسان مصيره.. ويحمي ذاته من التآكل، للسجون جدران كالمرايا، يستطيع المرء أن يرى روحه عارية فيها بدقة متناهية، هنا تستطيع أن ترى الإنسان في نبله وخسته، في بطولته وعجزه).

هذا دورك... دورنا... هذه تجربتك العميقة الثرية... الشعراء يرون الدنيا كلها تحديات تستفز ملكاتهم... هذا كلامك أنت... أنت من قلت في رسالتك:

(إن السجن تحد شامل للإنسان على قدرته أن يظل.. إنسانا!)... فكن إنسانا، وتحدى السجن... لأنك ستخرج منه... وستواجه تحديات أكبر.

وصلتني رسالتك يا صديقي... وأعدك أنني سأتمسك بإنسانيتي أولا... وبموقفي المتحيز للنور مهما بدا الظلام منتصرا... وحين نحقق آمالنا قريبا... سنلتقي... ربما حينها تعطيني الرسالة الأصلية التي كتبتها بخطك الجميل... لأحتفظ بها في أرشيفي... وأورثها لأبنائي.

في النهاية... لقد قلت في رسالتك: (بوسعي أن أجزم الآن أن الشعر تحديدا طوال هذه السنوات كان كوة النور التي تحميني من فقدان هذا الجوهر)... ويقول "إمرسون": (إن البراهين العقلية لا تقنع أحدا)... ونحن اليوم نحتاج إلى نوع آخر من البراهين... إنه برهان الشعر!

هنيئا لثورة يناير بشعرائها... كن بخير يا صديقي... وتأكد (في الأفق نور).

صديقك عبدالرحمن يوسف.

هذه التدوينة منشورة على موقع عربي21.. للإطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.