المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن يوسف Headshot

فوائد من انهيار سد "فايونا"!

تم النشر: تم التحديث:

ما حدث يستحق الرواية ... ويمكن أن نستخلص منه فوائد كثيرة، وإليكم ماحدث!

ملخص قصة سد "فايونا":

بدأ بناء هذا السد في عام 1956، وهو من تصميم المهندس الإيطالي (كارلو سيمينزا)، وهو في ذلك الوقت يعتبر أهم مهندسي السدود في العالم، وهذا السد مشروعه الأخير قبل أن يتقاعد.

يطل السد على بلدة (لونغاروني)، إنه أعلى وأطول سد في أوروبا، سيخلق أحد أعمق البحيرات الصناعية في العالم، والهدف منه توليد الطاقة الكهربائية.

في تلك الأيام كان بناء السدود يهتم بالطبيعة الجيولوجية لمنطقة بناء السد (منطقة الأساسات)، ولم يهتم المهندسون بالطبيعة الجيوليوجية لأعلى الوادي، أي المنطقة التي سيأتي الماء منها، وسيتم تخزين الماء فيها.

في هذا المكان عند جبل (توك) كانت المنطقة غير مستقرة جيولوجيا، فبين الجبال صخور ضعيفة، ونوع الرمال والصلصال والصخور الطينية، والنظام بكامله مثني ومتصدع، وهي بيئة مثالية للتسبب بانزلاقات في التربة.

استمرت أعمال البناء لمدة عامين، وارتفع السد شامخا بارتفاع 261 مترا !

امتلأ الخزان ... وحين غرقت المنحدرات التي كانت مدفونة في الأعماق منذ آلاف السنين للمرة الأولى ... حدثت نتائج مفاجئة.

بدأت هذه الكتل (حواف البحيرة) بدأت بالتحرك رويدا رويدا، ما دعى المهندس المسؤول (كارلو سيمنزا) إلى تكليف لجنة جيوليوجية لفحص التربة للتأكد من احتمال حدوث انهيارات من عدمه، خصوصا مع اكتشاف أثر انهيار قديم في المنطقة.

تم إجراء الفحوصات بفحص الصخور من خلال ثلاث فجوات في المكان المحدد بعمق يصل إلى 170 مترا، ولم يثبت سوى أن البناء يتم على أرض صخرية ثابتة، ولا يوجد احتمال حدوث انهيار ضخم بأي شكل من الأشكال (لكي تكتشف الحقيقة كان لا بد من الحفر لعمق أكثر من 250 مترا).

الفائدة الأولى (إذا كنت تظن أن نظرتك للأمور عميقة ... تمهل ... ربما تكون أنت سطحيا، والظاهرة التي تبحث عنها أعمق مما تظن)!

في فبراير 1960 أعطى (سيمنزا) أوامره بالشروع في الجزء الثاني من المشروع، أي تسليم السد لوكالة الطاقة الكهربية الإيطالية، ولكي يتم ذلك لا بد من ملء الخزان إلى حدوده القصوى.

بحلول أكتوبر امتلأ الخزان لحدود 170 مترا (أي أقل بحوالي 90 مترا من حدوده القصوى) والسد متماسك بشكل ممتاز.

ولكن ما حدث أن المزارعين في المنطقة اكتشفوا صدعا هائلا في جبل (توك) المطل على البحيرة، صدعا يبلغ عرضه حوالي 1700 متر، وبدأ يتسع كل يوم بحوالي 3 سنتيمتر!

(الفائدة الثانية: قد يرى البسطاء بأعينهم المجردة ما لا يستطيع المتخصصون رؤيته رغم كل علومهم وأجهزتهم)

بعد حوالي 6 أيام حدث انهيار لجزء من الجبل يعادل حجمه ستة ملاعب كرة قدم، سقطت هذه الكتلة في الخزان المائي لسد "فايونت"، ونتج عن ذلك موجة تسونامي بارتفاع مترين.

(الفائدة الثالثة: مقدمات الحدث الكبير تتوالى ... ولكنك لن تراها إذا أغمضت عينيك)

لم يجد (سيمنزا) طريقة لوقف انهيار التربة، فحجم الكتلة أكبر من أن يتم إحاطتها بأي حائط خرساني، وظهرت نظرية في تلك اللحظة خلاصتها أن زيادة مستوى المياه في الخزان يسرع من الانهيار، وتفريغ الخزان يبطيء منه.

تم اختبار النظرية، وتم تخفيض عمق المياه في الخزان، ولمدة شهرين من القياس انخفض معدل اتساع الصدع من 3 سنتيمتر في اليوم إلى مليمتر واحد، ثم توقف تحرك التربة.

في هذه اللحظة نسي فريق العمل أن بحيرة السد ليست المصدر الوحيد الذي يغذي التربة بالماء، فهناك مصادر أخرى ... كالمطر مثلا!

(الفائدة الرابعة: لا تعتقد أنك ترى كل شيء ... هناك دائما ما لا تراه)

أصبح فريق العمل على ثقة من أن معدل الانهيار مرتبط بحجم المياه في الخزان، وبالتالي قرروا أنهم إذا كانوا لا يستطيعون منع الانهيار فإن بإمكانهم السيطرة على سرعة انحدار الكتلة،وذلك بالتحكمفي كمية المياه في الخزان، وبالتالي يمكن البدء بتوليد الطاقة الكهربائية من السد..

أي أنهم سوف يضعفون الكتلة تدريجيا لكي تسقط في البحيرة دون أضرار، ودون تسونامي يؤذي.
(كارلو سيمنزا) المهندس الأساسي للمشروع أصر على إجراء أبحاث ليصل إلى أسوأ سيناريو من الممكن أن يحدث، وبالتالي تم بناء ماكيت صغير للسد، وملئه بالماء، وإسقاط كتلة تعادل الكتلة التي ستنهار (نموذج محاكاة على الطبيعة على مقياس رسم صغير).

كان الهدف هو معرفة أعلى موجة "تسونامي" يمكن أن تحدث إذا سقطت كامل الكتلة، وأثبتت عشرات التجارب التي أجريت أن أعلى موجة ستكون بارتفاع عشرين متراعلى أقصى تقدير.

كان ذلك في عام 1961، قبل بناء نماذج المحاكاة الألكترونية الدقيقة.

وبالتالي ... اتخذ المهندس (سيمنزا) قرارا بأن تبقى المياه خلف السد دائما أقل من السد بخمسة وعشرين مترا، لضمان عدم تكون موجة تتجاوز السد إلى ما وراءه في حالة حدوث انهيار في التربة.

(الفائدة الخامسة: مهما بلغ خيالك من الاتساع ... لن تستطيع أن تتخيل الطوفان)

في هذه اللحظة ... توفي المهندس (كارلو سيمنزا) قبل أن يكمل حساباته الأخيرة، وتولى إكمال المشروع فريق آخر.

(الفائدة السادسة: الأقدار لها كلمة عليا ... الله وحده قادر على كل شيء)

في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1963 وبعد عامين من تنفيذ خطة ملء وتفريغ الخزان ... تحركت الكتلة لمسافة ثلاثة أمتار مرة واحدة !

كان مستوى المياه في الخزان في أعلى مستوى 245 مترا، أي أنه أعلى بعشرة أمتار من حد الأمان الذي وضعه (سيمنزا).

بدأت إدارة السد بتفريغ البحيرة، كانوا يعتقدون أن تفريغ البحيرة سيبطئ الانهيار، كانوا يظنون أنهم يتحكمون في الانهيار.

(الفائدة السابعة: قال تعالى "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"، قد تنطبق عليك وأنت لا تدري)

ما حدث كان العكس ... لقد تسارع الانهيار.

بحلول يوم التاسع من أكتوبر 1963 أصبحت معدلات تسارع الانهيار ثلاثين سنتيمترا في اليوم الواحد ... ورغم ذلك لم ينتبه أحد للكارثة التي تطرق الباب بكل عنف، وكان الجميع يشعر بالأمان لأنه قد تم تفريغ البحيرة حتى وصلت إلى الحدود الآمنة التي وضعها المهندس الأصلي للمشروع (سيمنزا).

لقد ظنوا أنهم بأمان لدرجة أن طاقم العمل قد تجمع في وقت الكارثة لمشاهد موجة التسونامي التي سيصنعها الانهيار ... هل تتخيل!؟

(الفائدة الثامنة: قد تذهب لحتفك برجليك وأنت تظن أن كل شيء على ما يرام)

في هذه الأثناء كان أهل بلدة (لونغاروني) يشاهدون المباراة كما ذكرت، ولم يهتم أحد بإخلاء البلدة أو تنبيه السكان، لأن كل شيء "تحت السيطرة"!

ما الذي حدث؟

لقد فشل فريق العمل في اكتشاف أن هناك سلسلة رفيعة من الطين ضمن الحجر الكلسي في المنطقة المنكوبة (قد تكون بسمك سنتيمتر واحد)، وهذه الطبقة خلقت منطقة ضعف، وهي التي تحدد هل يمكن أن يحدث الانهيار أم لا.

الكشف الجيولوجي الذي جرى كان على عمق 170 مترا، وهذه الطبقة الطينية لم يكن من الممكن اكتشافها إلا بعد حفر يتجاوز 250 مترا، وما جرى أن هذه الطبقة قد جرى تغذيتها بماء المطر أيضا، وليس بماء الخزان فقط، وبذلك ... تحققت شروط الكارثة.

هذا ما حدث في جوف الأرض ... فما الذي حدث فوق الأرض؟!

لقد انهار جزء من جبل (توك)، وتسبب في موجة تسونامي بارتفاع 200 مترا، أي عشرة أضعاف ما توقعه فريق العمل، وكان أول من مات في هذا الحدث هم من وقفواأعلى السد لمشاهدة الإنجاز المهني العظيم، وفي عدة ثوان تحول هذا الانزلاق من سرعة 30 سنتيمترا في اليوم إلى سرعة 110 كم في الساعة.

انهيار التربة حرك 30 مليون طن من المياه، سقطت من ارتفاع 261 مترا باتجاه الوادي (بلدة لونغاروني)، سببت حفرة بعمق 40 مترا في قاع الوادي، وتسبب ضيق الوادي بتسارع عمود المياه حتى بلغت سرعتها 140 كم في الساعة.

لقد دمرت (لونغاروني) في دقيقتين، واختفى كل ما في الوادي، وكان عدد الناجين قليلا جدا !

(الفائدة التاسعة: هناك أشياء لا يمكن التحكم بها ... إنها تبدأ ... وإذا بدأت فستصل للنهاية لا محالة)

استغرق الانهيار حوالي 45 ثانية فقط، ولكن الانهيار بدأ قبلها بحوالي ستين يوما، وخلال هذه الأيام كان فريق العمل يظن أنه يتحكم في كل شيء!

(الفائدة العاشرة: الانهيار لا يبدأ لحظة السقوط ... بل قبل ذلك بكثير)

ما زال سد (فايونت) قائما حتى الآن ... لم يولد كهرباء من بعد الحادثة، بل أصبح مزارا وتذكارا وعبرة.

خلاصة القول: ما حدث في جمعة (ثورة الغلابة) فيه عبر كبيرة للعصابة التي خطفت مصر، وفيه عبر أيضا لكل من يقاوم الانقلاب.

أقول لنفسي أولا ولكل من يظن أنه يرى كل شيء، ويحسب حساب كل شيء، عليه أن يعتبر ... لأن الانهيار قادم قادم، والتغيير قادم قادم ... حتى لو ظن البعض أنه يتحكم في الدولة، وحتى لو ظن البعض أنه يتحكم في الجماهير.

أقول لكل الساخرين، ولكل الشامتين، ولكل المحبَطين المحبِطين ... استحوا قليلا ... وتواضعوا قليلا!
عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

هذه المقال منشور على موقع عربي21 .. للإطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.