المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن يوسف Headshot

شروط الاصطفاف المستحيل

تم النشر: تم التحديث:

جاء شهر نيسان/ إبريل 2016 محملا برائحة الخيانة العظمى، خيانة من القصر الرئاسي، بالصوت والصورة، أوضح من الشمس، من عميل إسرائيلي كامل مكتمل يسكن القصر، ويتصرف رئيسا.

بعد فضيحة جزيرتي تيران وصنافير، ارتفعت آمال كثيرين بقرب سقوط هذا العميل، والحقيقة أن المتابعين انقسموا إلى أصناف عدة:

كان هناك من توقع بأن شهر إبريل/نيسان 2016 سيكون نهاية حكم "سيسي"، وهؤلاء لا شك أنهم الآن في حالة تشاؤم وحزن.

وصنف آخر كان يرى أن سقوط "سيسي" يعتمد على تحقيق الاصطفاف الثوري بالتدرج الطبيعي لمنطق الأحداث، وهؤلاء من المفترض أن يكونوا على قدر من التفاؤل، لأن ما حدث في إبريل خطوة في طريق الاتحاد.

وهناك صنف ثالث كان يظن أن ثورة يناير مجرد حدث عابر، وهذا الصنف يرى أن مجرد نزول الناس إلى الشارع معجزة كبرى، ولا شك أنهم اليوم أكثر الناس تفاؤلا، مقارنة بما عاشوه من إحباط.

***

في رأيي إن سقوط "سيسي" حتمي، ولكن المشكلة الأكبر الآن في ما بعده، حيث سيترتب على سقوطه تبعات محلية، وإقليمية، ودولية.

لقد مزق هذا العميل الدولة المصرية شر مُمزق، وطاوعته في ذلك جميع مؤسسات الدولة بلا استثناء، وقد ثبت أن قيادات المؤسسة العسكرية لا يمكن وصف غالبيتهم العظمى بأي أوصاف وطنية، فقد وقفوا وقفة رجل واحد، خلف ذلك العميل الذي يبيع الأرض، ويقبض ثمنها جهارا نهارا، في صفقة لا تخدم أحدا سوى عدونا الاستراتيجي.. أعني الكيان الصهيوني.

سقوط "سيسي" سيحدث قريبا، وما بعده من شر أو خير مرهون بتحقق حالة الاصطفاف أو الاتحاد الثوري الذي دعونا إليه طويلا.

***

انتهى شهر إبريل، المحبطون محبطون، والمتفائلون متفائلون، ومع أول أيام شهر مايو/ أيار 2016، فاجأنا "سيسي" بكارثة أخرى، وحدث اقتحام نقابة الصحفيين من أجل القبض على الصحفيين عمرو بدر، ومحمود السقا.

في البداية.. لا بد أن نتذكر جميعا أننا ما زلنا في المعركة ذاتها، أعني معركة جزيرتي تيران وصنافير، والسلطة الغاشمة ترى أنه لا بد من عقاب صحفيين بأعينهم نشروا ما يحرض الناس على رفض هذه الخيانة، ولا بد كذلك من معاقبة نقابة الصحفيين التي احتضنت كبرى الفعاليات المناهضة لبيع الأرض المصرية.

إذاً.. "سيسي" مستمر في عداء كافة أطياف المجتمع، وهو مستمر كذلك في تفكيك جميع تحالفاته الهشة، حتى لم يبق أحد مستفيدا من وجوده في السلطة أو يكاد!

***

في هذه الأجواء، يخرج علينا بعض من يحسب ضمن مناهضي الانقلاب، ومقاومي السلطة المستبدة، لكي يذكرنا بخطايا الصحفيين، وجرائم الإعلام، ويحقر من فكرة الاصطفاف والاتحاد الثوري، داعيا إلى تنقية الصف الثوري من كل من لا يعجبنا شكله أو من كل من يختلف معنا في حب طاجن المسقعة باللحمة الضاني أو اللحم المفروم!

أنا لا أدافع عن نقابة الصحفيين، فلست عضوا فيها، ولم أنل عضويتها لأنني زهدت في تلك العضوية التي يحصل عليها كثيرون برضى الأجهزة الأمنية لا أكثر، ولكنني أدافع عن حالة الاصطفاف التي لا إنقاذ لمصر إلا بها!

هناك من يريد أن يصنع حالة اصطفاف مع ملائكة لم يخطئوا، والغريب أن هؤلاء تاريخهم ممتلئ بالخطايا (شأنهم شأن الجميع).

ترى الواحد منهم يقول: "كيف نصطف مع هؤلاء الذين فرحوا في قتلنا؟".

وتاريخه لا يخلو من تحالفات مع القتلة أنفسهم، بل إنه هو شخصيا قد فرح في قتل آخرين، أو تجاهل قتل آخرين، لأنهم لم يكونوا من فصيله.

حاورت منهم عشرات، فلم أجد إلا انفعالات ورغبات انتقامية لا تستند إلى أي منطق أو عقل، قلت لأحدهم في مرة لو أنك عشت في عصر الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ودعاك النبي للقتال معه لنشر الإسلام، أكنت تقبل؟ أم ترفض؟

فأجابني: بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. ليتني كنت مع رسول الله.. أقبل طبعا!

قلت له: كذبت.. لو طبقنا كلامك الذي تقوله الآن.. لرأيناك تجادل النبي الكريم قائلا له: (وما يدريني يا محمد أن لا يصبح هذا الدين سلطة لبني هاشم؟ أو أن تتخذه قريش ذريعة للملك؟ ما يدريني يا محمد إن أقمنا دولة إسلامية أن لا يأتي بعدك من يحولها إلى ملك عضود؟ أريد ضمانات... أنا لن أسير خلف أحد مجانا!!).

لو عشت في تلك الفترة يا صديقي، لقلت له عليه الصلاة والسلام: (لن أحارب معك اليوم، لكي يأتي معاوية بن أبي سفيان بعد عقود عدة ليستأثر بالحكم له ولأبنائه من بعده)!

صرخ في وجهي: (أستغفر الله العظيم.. أنت تهرطق بكلام فارغ!!).

قلت له: (لماذا إذاً تطالبني اليوم بالمستحيل حين أحدثك عن الاصطفاف؟ كلامك معي ومطالباتك العبثية بضمانات مستحيلة تحكمات لا منطق لها.. أنت تطالب دعاة الاصطفاف بضمانات لا يستطيع الأنبياء والمرسلون تقديمها لك، لو عشت في عصرهم!).

كان هذا خلاصة حواري معه.. ومن بعدها اختفى!

***

أستطيع أن أتفهم أن مطالبات الجمعية العمومية للصحفيين غير كافية، وأنها تجاهلت رأس السلطة.. أستطيع أن أتفهم كثيرا من التحفظات والمخاوف، ولكن ذلك ليس مبررا لرفض الحراك النقابي الذي بدأ بالمحامين بعد تعذيب وقتل المحامي كريم حمدي في قسم المطرية، ثم الأطباء بعد واقعة اعتداء أمناء شرطة على أطباء في مستشفى المطرية، وها هو يتسع اليوم نقابة خلف أخرى.

إن الثورات لا تقوم بالكمال والجمال والجلال الذي يتخيله بعضنا، بل هي مجموع احتياجات الناس، وغضبهم، وأملهم، وألمهم، وأحقادهم، وعشقهم!

يتحدث البعض عن دعوات التوحد والاصطفاف وكأنها دعوات خبيثة لاصطفاف الحق مع الباطل، والحقيقة أن الاصطفاف الثوري هو محاولة لوقوف أهل الحق بنيانا مرصوصا ضد أهل الباطل.

***

هل معسكر أهل الثورة كل من فيه ملائكة؟

لا والله أبدا.. إننا جميعا بشر.. وكلنا أخطأنا خلال السنوات الماضيات، تلك السنوات التي باغتتنا باختبارات لم يكن أكثرنا حصافة ليتخيلها، ولم يكن أحكم الحكماء قد أعد نفسه لمثلها، لذلك.. فشل الجميع أكثر مما نجحوا.

إن معسكر الثورة المضادة اليوم في حالة تفتت مزرية، ورغم ذلك ما زالت هناك رابطة واحدة تجمعهم، وتوحدهم، وتحولهم سدا لا يمكن تجاوزه!

هذه الرابطة التي تجمعهم هي كرههم وخوفهم من ثورة يناير!

***

يقف "سيسي" خائفا مرعوبا، يكاد يقسم أنه "لا يخاف"، ورائحة خوفه تغطي مصر والوطن العربي كله.. وأهل الثورة في شقاق مبين، يظنون هذا الصنم التافه قويا، وهو مجرد خيال مآتة، جثة تستند إلى عصا الأمن، في انتظار دابة الأرض.

استطاع معسكر الثورة المضادة أن يحافظ على تماسكه (نسبيا) رغم كل الصراعات الداخلية التي تعصف به، وها هو يقتل نفسه بنفسه، ويخسر ذراعا من أهم أذرعته، ذراع الصحافة والإعلام، فهل واجبنا اليوم أن نستثمر هذا الانقسام من أجل مصر؟ أم نقذف الحجارة على كل من يخرج من معسكر الانقلاب لكي نعيد تماسك هذه العصابة التي تتحكم في بلدنا الغالي؟

***

سيقول البعض: إن تاريخ نقابة الصحفيين منذ قام انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 لا يشرف.. وهذا صحيح.. ولكن المصيبة أكبر من تلك الخلافات!

نريد أن ننقذ ماء النيل الذي باعه هذا العميل، نريد أن ننقذ ثرواتنا من غاز البحر المتوسط، نريد استعادة جزيرتي تيران وصنافير.. نريد أن نحمي مصر من تهديدات وجودية لم تر مثلها طوال تاريخها كله.. وكل ما سوى ذلك مواضيع فرعية لا يمكن أن نعطل أنفسنا عندها!

إن توحدنا واصطفافنا الممكن اليوم هو اصطفاف بشر مع بشر، اصطفاف مخطئين مع مخطئين، أما الاصطفاف الملائكي الذي يطمح له البعض.. فهو بالفعل الاصطفاف المستحيل.

عودوا إلى تاريخكم القريب يا قوم، ولنتذكر أخطاءنا وخطايانا جميعا، قبل أن نحكم على الآخرين، وقبل أن يبيع هؤلاء الخونة البلد وما فيها.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..


هذه التدوينة منشورة على موقع عربي 21 للاطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.