المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن البوق Headshot

المياه كلها بلون الغرق- الجزء الأول

تم النشر: تم التحديث:

- الأمر الذي لن أنساه أبداً في كل مرة أفاجأ فيها من نفسي، أو بعد كبوة أواجهها هو ما قاله مرة صديق ملهم حين سُئل "ما الشيء الذي يُعجبك فيك!؟"، وقبل أن أُفصح لكم عن إجابته، لنتفق أولاً على شيء واحد مهم؛ إنه لمن الصعب جداً أن يتحدث الواحد عن نفسه !! فكيف به يتحدث عما يُعجبه فيه!؟.. ردّ صديقي الملهم على السؤال السابق: "إنني لا أفقد الأمل فيَّ.. ولا أيئس من نفسي".

-هذا الاعتراف لهو حقاً السمفونية الكاملة، ولون الإيجابية الأوحد، والقطرة الأنقى من عصير الذات الذي لم أعرفه طويلاً. ما يجعلني أُكْبِر مثل هكذا اعتراف جريء هو أنني، قد وقعت في فخاخ كثيرة بسبب عدم إيماني بهذه الفكرة. أو أقولها بوجه أكثر صحة، لم أتمكن من قبل خطو هذه الخطوة نحو الخلاص من السمّ الفتاك أبداً؛ اليأس.

- شابه عنوان هذه المقالة عنوان كتاب للفيلسوف العدمي إميل سيوران الذي قال يوماً: "مع كل فكرة تولد فينا ثمة شيء يتعفّن"، يبدو أن سيوران قد قوّض كتاباته ونفسه، بعدما قوّض كل شيء بفلسفته العدمية.

- سأبدأ حديثي عن اليأس من مقولة ساخرة للكاتب والروائي الإنجليزي تشيسترون، يقول: "إن اليأس امتياز طبقيّ مثله مثل السيچار"، وهذا ما يظنه الكثير من الناس، وبالأخص من يدعون أنفسهم بـ [المثقفين]. يظنون أن هذا الشعور- أي اليأس- يعطيهم مزيداً من الثقة لمواجهة الحياة ومصاعبها، وحصناً منيعاً ضد هيجان الأفكار التي قد ألغوها مسبقاً. فببساطة تامة؛ ليس هنالك من مخرج ولا فرار.

- من المضحك أننا غالباً ما نجد ارتفاع نسب الإحباط والاكتئاب والانتحار عند الآمنين والأغنياء والمشاهير. ونرى الحياة بكثافة في مخيّمات اللاجئين، وأهالي البلاد التي تمر بالحروب، وعند الفقراء وقاطني أركان النفايات، وضحايا المجاعات... يا إلهي! فلتسامحني عندما أضحك من فرط الأسى الذي أشعره تجاه نفسي وأنا أشاهد مثل تلك الحجج !!

- لا يقولن أحد بأن اليأس هو دائما وليد التعاسة ! .. هنالك نماذج وحجج عديدة وُثّقت في الكتب والأفلام. علي عزت بيچوڤيتش، ڤيكتور فرانكل، أوليفر ساكس، نلسون مانديلا، والعديد العديد من الشخصيات التي تناولت أكوام التعاسة وحوّلتْها إلى معاني وحيوات عاش بسببها الكثير من البشر.

- إن تحويل الشعور باليأس إلى إحساس بالانتصار؛ عملية ليست سهلة أبداً. ولكنها حتماً جزء فائق الأهمية من الحل.

- للكاتبة نانسي هيوستن كتاب بديع بعنوان [أساتذة اليأس]، وهو كتاب يعرض لمحات من النزعة العدمية في الأدب الأوروبي. استهلّت كتابها بمقولة لبنجامين كونستان "معرفة الإنسان لا تكفي لاحتقاره". هذه العبارة عميقة جداً، لا أظنهما كانا يعنيان احتقار الآخر فحسب، بل الإشكال الأعظم- وبالتحديد في حديثنا عن اليأس- في توجيه هذا اليأس صوب الإنسان ذاته.

- أعتبر أن أحد أهم الإشكالات التي نادراً ما نلاحظها في إنسان اليوم؛ هو "أنه لا يرغب في التفكير.. إنه يرغب في الصراخ". لنعترف بشيء علّ هذا الاعتراف يحرر شيئاً ما فينا، فننعتق. إنسان اليوم هو الإنسان المأزقي، الإنسان الذي وُلد مأزوماً، وعاش مقهوراً، فمات، دون أدنى شك، مهدوراً. هناك فرق كبير بين الإنسان المقهور والإنسان المهدور، شرحه وحلله الدكتور مصطفى حجازي في دراسة مطولة في كتابه [الإنسان المهدور].

- ذكرت نانسي هيوستن في كتابها عدة عوامل بيوغرافية تحفّز نمو اليأس، ومن ثمّ الانتماء إلى مذهب العدمية الرمادي الانتحاري، أذكر منها:

١-الولادة في بلد يستثير التناقض الوجداني: تقصد دول شرق أوروبا وخصوصاً دول الإمبراطورية المجرية، تعتبر الأكثر قابلية لإنجاب عشاق السواد.

٢-العيش في قوقعة أيدولوجية متينة.

٣-التعاسة العائلية: طيلة مرحلة الطفولة ثم المراهقة يطور هؤلاء الصغار ظواهر سلوكية هي رد فعل على سوء المعاملة تلك، مثل: الأمراض، حالات الاكتئاب، الأرق، انعدام الانضباط، التبول اللاإرادي.. والكتابة.

- لطالما تعجّبت من انجذابي إلى كتابات إميل سيوران ونيتشه وكيركجارد وشوبنهاور، أي إلى عشاق السواد. ويجذبني فيها، أي كتاباتهم، تحديداً" حرصهم على الاحتفاظ بحرارة غضبهم، كي يغمسوا فيه أقلامهم/ الخناجر، كي يصوغوا أرواحهم، ويصقلوا أسلوبهم، ويشحذوا أسلحتهم اللفظية: التهكّم اللاذع! المبالغات التي تغرقك في الذهول! الصدمة والرعب! إن المعتدل رخو، والمتطرف مثير. ما يقولونه بليغ، من المستحيل معارضته. لكن ما يقولونه غير صحيح"، أو يكاد!..