المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الحكيم المغربي Headshot

الراعي والرعية

تم النشر: تم التحديث:

إن رب البيت، أو ما يسمى رب الأسرة، ومسؤوليته عنها أمرنا ديننا الحنيف ورسوله الكريم بأنه بمثابة راعٍ ومسؤول عن رعيته، وهكذا كل المجتمع بجميع طوائفه، وعلى رأسه، بل وأهمهم، وهو مسؤول الدولة كما جاء بكتابه الكريم بسورة الصافات: "وقفوهم إنهم مسؤولون" (الآية 24)، فالمسؤولية على الراعي تجاه رعيته مسؤولية عظيمة، وليست بالهينة، وسوف يسأل عنها أمام الله -عز وجل- فماذا سيقول له عندما لجأ لبشر مثله ضعيف يصاب بمرض أو يهلك بالموت في أي لحظة، بحجة أنه قوي أو أنه حماية من دولة عظمى أو بما يسمى قوى عظمى بالعالم، وترك القوي العزيز الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، والحي الذي لا يموت؟!

ماذا سيرد وقتها؟ يوم العرض على الخالق، وليس بينك وبينه حجاب، يوم بمقدار ألف سنة مما تعدون، بماذا وقتها سيتحجج؟ إنه بهذه الدنيا يتحجج بالاستقرار والعمل على ميزان القوى بالعالم، وحماية الشعب، مضللاً له، وكلها حجج باطلة وأكاذيب، لماذا نلجأ لهذه القوى العظمى المزعومة، ونترك القوة الحقيقية التي أمرنا بها الله -عز وجل- وهما أمران فقط لو عملنا بهما والتزمنا بهما لأصبحنا أكبر قوة عظمى بالعالم، لمَ لا ونحن مع خالق هذا الكون، متبعين تعاليمه وأوامره؟ فهل يوجد في هذا الكون أكبر وأعظم من خالقه والعياذ بالله؟

وهذان الأمران المطلوب تنفيذهما لكي نصبح أكبر قوة في العالم، كما ذكرتهما بكتابي بعنوان (السلام في الإسلام) هما آيتان صريحتان واضحتان كوضوح الشمس، وهما: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" والثانية "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"، بما يعني أن نتوحد معاً كشعوب ودول عربية وإسلامية تقارب الآن 2 مليار مسلم حول العالم.

فما بالكم أيها الحكام والشعوب بمشارق الأرض ومغاربها عندما يتحد هذا العدد الهائل من البشر العربي والمسلم معاً اتحاداً مخلصاً من أجل رضا الخالق جل في علاه؟!

"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" الآية، تعاون من أجل نشر الخير والسلام لباقي شعوب الأرض، من أجل نشر الخير للإنسانية جمعاء دون تفرقة بين جنس أو عِرق أو دين، تعاون للخير وليس للشر وسفك الدماء، للمحافظة على الكراسي الملعونة، التي لا تقدم ولا تؤخر، فاسألوا التاريخ أين ذهب أباطرة الحكام أين ذهب الظلمة والمستبدون السابقون بعروشهم؟

هل أخذ معه السلطة والحكم والجبروت الذي كان يعيش فيه أحد منهم؟ فقد ذهب معظم حكامنا أمام أعيننا، بل وحملناهم على أعناقنا إلى التراب، وذهبت معهم سلطتهم وذكراهم بلا رجعة، لم يذهب معهم القصور المشيدة الشاسعة، ولا السيارات الفارهة ولا الأموال الطائلة بالبنوك.

فقد تَرَكُوا كل شيء وراء ظهورهم، وحملوا فقط معهم وعلى أعناقهم أعمالهم، وما قدموه لرعيتهم من قتل وتدمير ونهب وتضليل، وتعاون مع أعداء الإسلام بما يسمى القوى العظمى، من أجل الحفاظ فقط على كرسي العرش الملعون، وحتى هذا تركوه لمن بعدهم وأصبحوا لا يذكرون، حتى أسماءهم بالتاريخ إلا بأسوأ الأسماء، فضلاً عن حسابهم بقبورهم التي ستكون وبالاً من نار عليهم إلى يوم القيامة، وما أدراك ما يوم القيامة يوم الحساب العسير، والحرمان من جناته جنات النعيم، والاكتواء بجهنم وبئس المصير، فقد خسروا الدنيا والآخرة إنها كانت أياماً معدودة من الزمن، ظنوا أنهم ملكوا الدنيا، وأنهم سيخلدون فيها، وأدركهم الموت فجأة، والآن يندمون أشد الندم على ما فعلوا، ويتمنون لحظة واحدة للعودة مرة أخرى للحياة الدنيا؛ كي يفعلوا الخير مع رعيتهم وشعوبهم ومن كانوا مسؤولين عنهم، سواء أسرة زوجة وأبناء، أو موظفون تحت رعايتهم، أو شعوب وقبائل تحت مسؤوليتهم ورعايتهم، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن؟

متى نستيقظ ونستفيق من غفلتنا، ونترك شهوة السلطة والجبروت، وزهوة الحكم والشهرة الزائلة، ونتقرب إلى خالقنا العظيم ونتبع أوامره؟! متى نلجأ له وحده القوي المتين العزيز الجبار المتكبر، ونترك اللجوء للبشر الضعيف البسيط، المسمى قوى عظمى مزيفة؟!

أليس الله بقادر في أقل من ثانية واحدة من الزمن أن يجعل هذه القوى العظمى، التي تتحامون بها يجعلها كأن لم تكن؟! مجرد فقط زلزال مدمر بسيط أو عواصف رعدية، أو بركان أو رياح عاتية تجعل عاليَها سافلها، أهم خير ممن قبلهم من القرون السابقة، التي دمرت واندثرت بغضب من ربها عليها؟!

أليس الله غير قادر أن يبلي هؤلاء البشر من الذين تعتبرونهم قوة لا يستهان بها، بمرض أو موت بأي لحظة؟! فماذا أنتم فاعلون؟ وقد تركتم القوي العزيز الذي بيده ملكوت كل شيء، خالق هذا الكون ومدبره؟! ألم تسألوا أنفسكم يوماً ما إن تصبحوا قوة عظمى حقيقية، وليست مثلهم، تكون لكم الكلمة العليا في هذا العالم، الذي لا يعرف إلا لغة القوة؟!

فالمؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وتكون كلمة الله هي العليا ويكون النصر للإسلام والمسلمين، وقتها عندما ننفذ فقط هذين الأمرين، التي ذكرتهم آنفاً؟! متى نستفيق قبل فوات الأوان؟! متى نستفيق قبل نهاية أعمارنا، ومقابلة خالقنا؟! متى نعمل بإخلاص لأمتنا العربية والإسلامية، وشعوبها المضطهدة المظلومة على مر الزمان، والتاريخ يشهد بذلك؟! العمر قصير وسينتهي وستنتهي معه السلطة والمحسوبية، وتنتهي معها هذه الكراسي الملعونة، وستبقى فقط أعمالكم، وما اقترفتموه من هذه السلطة الفانية؟! فهل أنتم منتهون؟!


ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.