المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 عبد الهادي عبيسي    Headshot

ما بينَ فيينا ودمشق، أملٌ جديدٌ لاستعادة ذكرياتِ وطن

تم النشر: تم التحديث:

رغم فوضى الحرب التي تحصل على مضض، بصيص الحياة لا يكاد ينعدم، طوابير للخبز، طوابير لوقود التدفئة، طوابير على مبنى الهجرة والجوازات، طوابير على أسواق الحقائب السفرية، طوابير على المشافي، أناس كالرجال الآليين، يمشون بأعضاء طبيعية وأخرى صناعية ليتابعوا حياتهم ويقتاتوا مما ستعمله أيديهم، تجارٌ للأزمات، ومرضى نفسيون.

هنا في دمشق، ربما أصبح كلّ شيءٍ يهذي، يئن، يموتُ بصمت، ذكرياتٌ تنقلب إلى الوراء، موتٌ زؤامٌ يتكلم !
كثيراً ما يشاطرني الآخرون أطراف الحديث عن الذكريات التي كنا نستهزئ من وجودها لكي تعود.

نعم لقد أصبحنا نحِنُّ إلى الماضي الذي كنا نستهزئ به عندما نسافر إلى الخارج، لأنه تعرض إلى حالة تعرضه للاندثارٍ من حيث المدلول العام والأوسع، "فشارع لوبية" في مخيم اليرموك كان سوقاً لبيع الألبسة الجميلة بأسعار رخيصة رائعة، نحن نشتاق إليه الآن، وجلوسنا بجانب "بساتين الغوطة" لنشوي البطاطا ونرقص وندبك بشكل عبثي وغوغائي نشتمُّ من خلاله هواء الطبيعة العذبة والمعجونة بتفحم البطاطا آنذاك، بتنا نشتاق إليه أيضاً !

حتى وجود السياح الذين كنا نحاول أن نصطنع معهم اللكنة الأجنبية، ولا نأخذ منهم ثمن أي شيء نقدمه لهم، من باب كرم الضيافة، بتنا نشتاق له أيضاً، حتى العراضات الشامية التي كانت تصدح بأحياء الصالحية والعمارة، التي كان صوتها عالياً ونكريزياً في بعض الحالات، اشتقنا لها أيضاً، اشتقنا لمكيّس حمام السوق الذي يستخدم الكيس على 100 زبون يومياً في الحمام الذي لا يزوره إلا القليل القليل الآن، وعلى رأس كل شهر، اشتقنا لذكريات الجيش حين كنا نعاقب في الدورة التدريبية لثلاثة أشهر، ونروي قصصنا البهلوانية وتخرشماتنا القاسية للحياة قليلاً، ونبرر ما نفعله من أشياء غريبة بعبارة "عسكري دبّر راسك"، بخلاف ما يجري الآن من دورة تكتيك لا تتجاوز الأسبوعين، ثم من الفور النزول إلى أقرب جبهةٍ متاحةٍ في الوقت الحاضر، اشتقنا لهواء الزبداني وبلودان والقلمون الصيفي عند رأس الهضبة الممتلئة بالهواء الغارز لأطراف الجسد، حتى أننا اشتقنا لجوّ تدمر الصحراويّ الذي تكون فيه الحرارة فوق الأربعين مئوية، اشتقنا لميلوية حلب، ولصباح فخري الذي يصيبنا بالصبابة وخاصةً عندما نستمع له بليلة العيد عند ساحة الساعة بحلب، حتى أننا اشتقنا لرائحة المسك وصابون الغار والسليمانية وخان الحرير المرصع بالبضائع التي تغطيها نثرات القماش المتواجدة عليها كونها خرجت "تازة" من المصانع إلى السوق، ليصار تصديرها إلى كافة أنحاء العالم من أسواق حلب القديمة الشبه مدمرة الآن، إننا نشتاق إلى زيت عفرين الذي وصف بأنه الزيت الأفضل في سوريا، نشتاق ل"إيما" إدلب الرطب و "شعيبيات" سراقب غير المأهولة بالسكان الآن، نعم، نشتاق لحلاوة السميد من أسواق حمص المسقوفة، والمرور بجانب مسجد خالد بن الوليد للتبرك قليلاً بالضريح بدونِ تكفيرٍ لنا من أحد، نشتاق لوقفاتنا التأملية من على جسر دير الزور التي كنا ننظر من خلالها إلى الفرات على أنه جبلٌ على هيئة نهر، كما نشتاق لقلعة شيزر وحلاوة الجبن الحموية ورحلنا في

مطاعم سيزر وأمانوس المتواجدة على طريق حمص المقطوع بسبب الاشتباكات الحاصلة الآن، نعم نحن نشتاق كلّ شيء كان يشكّل ذاكرةً لوطن احترق بدواخلنا، حتى الجنائز التي عندما كانت تمر بجانبنا لننظر لها، مشنكين ببآبئ أعيننا من شدة الألم والاستغراب، اشتقنا لأن ننظر لها عن قرب كما في السابق، وخلافاً عن حالنا الآن، لا نكترث لأي جنازة يومية وعاديةٍ، بل وروتينية بالنسبة لنا .

لقد اشتقنا للأمان الذي اقتحمته أصوات الرصاص والقذائف، نعم لقد اشتقنا لهذا الأمان الذي لم يعد يحتوي أيّ مساحةٍ من أرواحنا في هذه اللحظات، اشتقنا إلى المستشفيات الحكومية الممتلئة بالروتين، واشتقنا أيضاً إلى الدوائر الحكومية المكتظة بالبيروقراطية، ذكرياتُ الزمن هذا، باتت بالنسبة لنا حساسيةٌ على جلودنا، نريد أن نهرشها، لقد اشتقنا لهذا الهرش الذي يؤدي إلى التهابٍ بسيطٍ في وطننا، ولكنه هرش نابعٌ عن إحساسٍ بهذا الوطن حاولت الحرب أن تعدمه، ولكنها باءت بالفشل، إننا نشتاق وطننا القديم، الذي كان بحاجة الإصلاحات، فما بين اشتياقنا وأملنا بالمستقبل، يبزغ حلمٌ جديدٌ بات ساكناً لقلوبنا، بأن الحرب هذه ستنتهي، وسنعود إلى إعادة إعمار ما خربه البعض منّا، بكلّ إصرارٍ وعزيمةٍ باتت تعطينا دفعةً جديدةً للحياة,

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.