المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العالي بريكي Headshot

التبرُّع بالأعضاء: التجربة الإسبانية

تم النشر: تم التحديث:

في نهاية شهر مارس نظمت جمعة الزرقالي للجامعيين المغاربة، ندوة حول زرع الأعضاء والتبرع بها في كلية الصيدلة بإشبيلية. حضر الندوة المدير العام لزرع الأعضاء بإقليم إشبيلية الدكتور خوصي بيريز بِرنال وعدد من المتبرعين و المستفيدين من عمليات زرع الأعضاء، كما حضرتها الدكتورة مينة غوش عضو المجلس الاستشاري للمغاربة المقيمين بالخارج بالإضافة لنائب القنصل العام للمملكة بإشبيلة، هذا المقال يرصد أهم ما نوقِش فيها.

لم تكن الندوة فقط فرصة للتعرف والاستماع عن قرب لقصص إنسانية ومهنية غاية في الروعة، لأشخاص كرماء من نوع آخر أنفقوا مما رزقهم خالقهم ووهبوا حياتهم لتوعية الآخرين بأمر شديد الأهمية للإنسانية جمعاء: التبرع بالأعضاء. بل كان أيضا فرصة لاكتشاف التجربة الإسبانية الرائدة عالمياً في هذا المجال، فإسبانيا البلد رقم واحد عالمياً في التبرع وزراعة الأعضاء، وبِلُغة الأرقام فمعدل المتبرعين بالأعضاء بالمغرب يبلغ 0.4 متبرع لكل مليون مواطن، و في إسبانيا 36.6 أي تقريبا 100 ضعف... معطيات تُحتّم علينا التعلّم من الجار الشمالي للمملكة، مع تكييف التجربة الإسبانية مع إمكانياتنا و معطياتنا الثقافية والدينية.

دينياً:
ولأننا أمة مؤمنة، كان لزاماً علي أن أبدأ هذا المقال بالإشارة إلى رأي ديننا الحنيف في هذه المسألة. ولأنني لست فقيها ولا عالماً، فإني أدعوكم للاطلاع على رأي العلماء المغاربة أعضاء المجلس العلمي الأعلى (الدكتور أحمد رمزي في أجاز التبرع بالأعضاء في الدرس الحسني السابع 2010 أمام أنظار الملك و درس الدكتور مصطفى بنحمزة حول الموضوع سنة 2006 و الذي أجاز فيه التبرع بالأعضاء للمسلم و لغير المسلم)، وأغلب علماء المسلمين المعاصرين صنّفوا الأمر ما بين الجائز والمستحبّ.

قانونياً:
يقول الدكتور بِرنال (يمين الصورة) موجهاً كلامه للمسؤولين المغاربة: " إن أهم ما يجب على أي دولة القيام به في هذا المجال هو صيغة رزمة من قوانين جيدة، واضحة وصارمة، لأن التبرع قضية حساسة، وأي غموض أو تجاوزات قد تعتريها، ستذهب بثقافة التبرع إلى الهاوية".

اعتمد القانون الإسباني المنظم للتبرع على ثلاثة أسس رئيسية:

- اعتبر أن أي متوفى دماغياً بالمستشفيات الإسبانية هو متبرع بأعضائه. رغم ذلك يقول د. بيرنال أنه لم تجر أي عملية نقل أعضاء لشخص متوفى إلا بعد الرجوع لوصيته واستشارة العائلة وموافقتها التامة (الأبوين معاً في حالة وفاة الابن، و الزوج أو الزوجة عند وفاة أحدهما). والوفاة الدماغية ليست هي الوفاة السريرية أو توقف القلب عن النبض ولا الغيبوبة، بل التوقف التام للدماغ عن أداء وظائفه. و فصّل القانون الإسباني أيضا وبشكل دقيق التّحليلات الطبية التي يجب القيام بها للشخص لإثبات وفاته الدّماغية.

- يمنع منعاً كليّاً إجراء عمليات نقل و زرع الأعضاء في المستشفيات والعيادات الخاصة وكذا الاستفادة الماديّة منها، و يعاقب بالسجن والغرامات الثقيلة والمنع من مزاولة المهنة وإغلاق كل مؤسسة طبية أو شخص خرق أو حاول خرق القانون المُنظّم للمجال.

- المجّانية: تتكلف الدولة الإسبانية عن طريق النظام الصحي العمومي بجميع مصاريف كل عمليات نقل وزرع الأعضاء و كذا الأدوية المترتبة عنها. هذا الفصل جاء لقطع الطريق على كلّ من يمكن أن يستغل هذه الثقافة النبيلة للاستغناء من أطُر و مؤسسات طبية أو وسطاء، إلخ. يقول الدكتور بيرنال "أوّل ما يُطمئن المُتبرّع الحيّ أو عائلة المتبرّع المتوفّي هو أنه لا أحد سيربح، ولو سنتاً واحداً من وراء تبرّعاتهم"

- السرّية: يمنع القانون أيضاً أن يبوح الطبيب أو القاضي المشرفان على العملية بهوية المستفيد من العضو المُتبَرّع به أو المّتبرِّع المتوفي لعائلتي الطرفين.

و لأن الاستفادة لاتكون فقط من التجارب النّاجحة، فقد تمّ عرض تجارب بعض الدول التي فشلت قوانينها في النهوض بهذا القطاع الحسّاس، كبعض دول أمريكا اللّاتينية، والتي خيّرت مواطنيها بين كتابة "متبرّع بأعضائه"على رخصة السياقة أو كتابة العكس، وفي ظرف سنة، وصل عدد الرافضين لكتابة هذه الجملة على رخصهم ثلاثة ملايين شخص، كان الدافع وراء رفضهم خوفهم من عدم تلقّيهم للعناية الطبية الضرورية عندما يُقرأُ في رخصهم أنّهم متبرّعون بأعضائهم عند الوفاة. تخوف غير منطقي يقول الدكتور برنال لكنّه يُتَفهّم ووجَب تفادي تجارب مماثلة. كذلك الأمر بالنسبة للتجربة النّمساوية التي اعتبرت كلّ شخص متوفّى هو إجباراً متبرّع بأعضائه دون استشارة العائلة، وفي ظرف بضع سنوات فقط أُسقِط القانون و قُضي على ثقافة التبرع عند المواطنين لأنّها ارتبطت في أذهانهم بالإكراه.

ثقافياً:
منذ أكثر من 30 سنة والدكتور برنال يحمل على عاتقه توعية النّاس بأهمية التبرع بالأعضاء، في كل مدن وقرى إشبيلية، حيث زار 96 من أصل 105 قرية أو مدينة تُشكّل الإقليم، أطّر فيها أكثر من ألف نشاط (ندوات، محاضرات، موائد مستديرة،...) حول الموضوع في الأحياء، المدارس، الثانويات، الجامعات وحتّى النوادي الرياضية والتجمّعات الدينية... و عندما سألناه عن كيف بدأ هذا الاهتمام بالموضوع الذي أفنى حياته في خدمته قال: "كُنت طبيباً في العناية المركّزة، كنتُ أرى أسبوعيا أشخاصاً يتوفون بأمراض تحتاج زرع عضو معين خصوصاً الكلية والكبد، وفي نفس الوقت أرى أفراد عائلات المتوفين في صحّة جيدة تُمكِّنهم من التبرّع له بذلك العضو دون أن يكون للأمر أي تأثير جانبي على حياة المتبرِّع، كما كُنت أرى تقريباً بشكل يومي أشخاصاً يتوفون دماغيّاً بسبب الحوادث على الخصوص، و يتم دفنهم في صمت مع رفض شديد لعائلاتهم بالتبرّع بأعضائهم، كُنت أبكي كلّما حصل معي هذا الأمر. لكنّ تحرُّكي الفعلي بدأ عندما شاهدت الفرق الشاسع في إحصائيات زرع الأعضاء بين إقليم الأندلس وأقاليم أقصى الشمال الإسباني، والجميع كان يعزو الأمر إلى ثقافة تقديس الموت هنا في الجنوب، وكذا عدم وعي النّاس بأن المتبرع الحي بأعضائه (الكلية، الكبد، وكذا بعض الأنسجة كالنّخاع) يعيش حياة جدّ عادية بعد مرور العملية وبضعة أيام نقاهة. عندها قررت: سأُغيّرُ تفكير الناس في إشبيلية". و كذلك كان، في ظرف 20 سنة تضاعف عدد عمليات نقل و زرع الأعضاء بشكل كبير جدّاً، و انخفض عدد المتوفّين بأمراض تستلزم الزرع إلى مستويات قياسية، وأصبح المستشفى الجامعي في إشبيلية من أكبر وأشهر المستشفيات الأوروبية من حيث عدد العمليات في السّنة.

شهادات:
لا توجد إحصائيات دقيقة في المغرب حول العدد والتوزيع العُمري والجغرافي لحالات وفايات الأشخاص بأمراض تستلزم عمليات زرع لكنّ الجميع يعلم أنّ العدد بالمئات سنوياً، يُتوفّون في مصحّات ووحدات العناية المركّزة بأمراض القلب والكبد و الرئتين وكذا القُصور الكلوي المُزمن حيث يتوفّى العشرات سنويا في وحدات تصفية الدّم، أشخاص كان بالإمكان إنقاذ حياتهم بمجرّد وجود متبرع حيّ في حالات الكِلى (انظر حالة الشابة المغربية التي تبرعت بإحدى كليتيها لزوجها) والكبِد (حالة الأب المغربي الذي أنقذ حياة ابنه بِتبرّعه له بجزء من الكبِد) أو متبرع متوفى دماغياً في حالة القلب، القرنية، إلخ. (حالة وصية تبرّع الوزيرين الأستاذ الرميد والدكتور الوردي بأعضائهما).

تقول تَمارا، 14 سنة (استفادت من عملية زرع رئة قبل 4 أشهر) "قبل العملية لم أكن أعيش كباقي النّاس، كنت على وشك ترك الدراسة، لم أكن أستحمل الذهاب بقارورة الأكسجين كل يوم إلى القسم، رغم الدعم المعنوي لعائلتي وأصدقائي." و تقول بِرونيكا (استفادت من نفس العملية قبل سنوات بعد أكثر من 10 سنوات قضتها في مستشفى الأطفال): "إن حياتي قبل العملية كانت جحيماً، لم أكن أعرف معنى أن أتحدّث أو آكل دون أن أختنق، لقد بكيت فرحاً عندما ركبت الدرّاجة لأول مرة بعد خروجي من فترة النقاهة بأيام بعد العملية. إن عنوان حملة التبرّع التي نُشارك فيها كمتطوعتين تُلخص كل شيء: الناس يتنفسون بدون تفكير و نحن نُفكر فقط في كيف نتنفّس."

يقول باكو (استفد من عملية زرع قلب) : "أشكر الله كل يوم، وأدعو للذي تبرع لي وأنا لا أعرف من هو، لقد كنت على وشك الموت، لا زلت أذكر ما قاله لي الطبيب: [ بقي لك 15 يوماً من الحياة في هذا العالم]، قبل أن اُفاجأ ويُفاجأ الطبيب نفسه عندما اتصلوا بي بعد أيام لإخباري أن أحد المتوفين دماغياً أوصى قيد حياته بالتبرع بأعضائه، و بكوني على رأس لائحة الانتظار، ستُجرى لي بعض التحليلات القبلية والعملية بعد ساعات". باكو يرأس الآن جمعية المستفيدين من عمليات زرع القلب، ومن بين المنخرطين 4 مغاربة استفادوا من العمليات في إشبيلية، في نفس شروط وحقوق المواطنين الإسبان، ليس لغياب التقنية الطبية في المغرب بل لغياب ثقافة التبرع وقانون قوي وشامل يؤطر المجال، واهتمام حكومي جدِّي بالأمر.

مانويل، أب لشاب توفي في حادثة سير، وعندما طلب منه الدكتور ومن العائلة الترخيص له بنقل أعضاء المتوفي، قبل فوراً، يقول مانويل: " لقد كان عزائي الوحيد في ابني أن أعضاءه المُتبرَّع بها، أنقدت 5 أشخاص من الموت، وأعادت نعمة البصر لشخص آخر (زرع القرنية)، القانون لا يسمح لي بالتعرف على هؤلاء، لكنني أعلم أنهم ممتنون لي وللعائلة ككل، ابني لم يمت، إنه يعيش في هؤلاء الستة أشخاص". يشارك مانويل في حملة عنوانها: " لم تأخذ إلى القبر ما نحتاجه على الأرض".
أبكى مانويل الحضور بقصته، لكن قصة ماريبيل وأختها مانولي كانتا أكثر تأثيراً، قصة كرم وسخاء من نوع آخر، وتجرد من الأنانية بكل ما للكلمة من معنى. مانولي قضت عدة سنوات من عمرها تعاني من قصور كلوي مزمن، كانت تتردد 3 مرات في الأسبوع على مركز تصفية الدم، لم تكن تحس بمعاناتها ومعاناة العائلة إلا بعد أن تغيرت حياتهما بإجراء العملية، هي الآن متزوجة وتعيش حياة عادية، أختها المتبرعة ماريبيل تعيش كذلك حياة عادية بكلية واحدة، تزوجت بعد العملية وأم لطفلين (أضفَوا على الندوة جوا لطيفاً ببراءتهم)، و تعتبر ما قامت به واجباً و أمراً عادياً جداً: " إن كنت سأعيش حياة عادية بكلية واحدة، فلماذا لا أتبرع لأختي بالكلية الثانية، و أنهي معاناتها ومعاناة العائلة ككُلّ؟" تتساءل ماريبيل عندما أقنعها الدكتور برنال بأن التبرع بإحدى الكليتين لا يشكل أي خطر على المتبرع، ويغير حياة المتلقي بشكل جدري. "لم تتوان أمي وأخواتي في إظهار استعدادهم للتبرع، أنا ممرضة، وكنت أكثرهم إلماماً بالموضوع، لذا لم أسمح بأن يتبرع غيري لأختي مانولي" تحكي ماريبيل.

يقول أنطونيو (استفاد من عملية زرع كبد): "أنا مدين للشخص الذي تبرع لي، كنت على وشك الموت، والآن أعيش حياة عادية، آكل كل ما أشتهيه، أمارس الرياضة يومياً، أنا الآن أهتم بنفسي أكثر من ذي قبل، لي عائلة وأصدقاء كأي شخص آخر، لا فرق بيني و بينكم، إلا حبة الدواء التي آخذ كل يوم على الساعة السابعة " يشرح أنطونيو ممازحاً الحضور

123

خُلاصة القول... إن الموضوع هنا ليس بموضة أو أمر عابر، إن الأمر لا يتعلق فقط بحياة آلاف الأشخاص يعيشون بيننا، و العديد منهم يموتون يومياً بسبب غياب ثقافة التبرع بالأعضاء، بل إن الأهم من ذلك كله أننا ننسى أن كلاً منا معرض لأمراض، إن استعصت، لا قدر الله، لا تُشفى إلا بعملية زرع عضو بشري. فهل نبقى مكبلي الأيدي كمواطنين وكأطر صحية وسياسيين ومسؤولين حكوميين إلى أن يصبح الأمر متعلقاً بحياتنا شخصياً أو بحياة أقرب المقربين، عندها فقط نتحرك؟

لماذا لا نستفيد من تجربة دولة في مجال جد مهم، تتعلق بها حياة الآلاف من المرضى، يموت المئات منهم سنوياً؟... إنها حياتنا جميعاً. نتمنى أن يُؤخد الأمر بجدية أكبر من طرف المسؤولين فلا ينقصنا غير إرادة سياسية تُترجم بأفعال على الواقع، كالتوعية بأهمية التبرع ونشر ثقافته، فنحن شعب كريم بطبعه.