المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عباس محمد صالح Headshot

الأكراد والقوى الإمبريالية!

تم النشر: تم التحديث:

بعد أن تعسكرت ثورة "الحرية والكرامة" في سوريا، وتطوُّر المواجهات المسلحة بين نظام الأسد وحلفائه المحليين والإقليميين والدوليين من جهة، والثوار والقوى الجهادية من جهة أخرى، باتت "المسألة السورية" تُثير أسئلة أخلاقية في مواجهة الأسرة الدولية والدول الكبرى بلا استثناء، فالفظائع والوحشية -قد تكونان أقل بكثير مما نشاهده حالياً في سوريا- تدفعان هذه القوى للتحرك في حالات أخرى من العالم، غدت تمر علينا في أخبار المأساة السورية وكأنها حدثٌ اعتيادي لا ينطوي على أي رمزية أو دلالة إنسانية أو أخلاقية، أي قد جرى "تطبيعها" بشكل كبير.

فإذا غضضنا الطرف عن امتناع الدول الغربية عن تسليح قوى المعارضة، وممارستها ضغوطًا على دول إقليمية بالمنطقة لمنعها من تزويد الثوار السوريين بأسحة إستراتيجية واعتبرناها موقفاً "أخلاقيًّا" للحؤول دون تفاقم الأوضاع إلى الأسوأ، فكيف يمكننا إيجاد مسوّغ أخلاقي للجوء ذات الدول الغربية التي تتحدث عن الأخلاق والإنسانية لتسليح طرف دون بقية الأطراف، في إطار بلد يشهد صراعاً مسلحاً مصدره واحد!

أزعم أن الفاجعة السورية الراهنة، قد أتت على إرث الأخلاق لدى العالم المعاصر، الذي بات عالماً بلا أخلاق! فكلمات من قبيل حقوق الإنسان، والحرية و"مسئولية الحماية"، والعدالة الدولية غدت مجرد شعارات جوفية.

الشرق الكبير

مؤخراً، كُشف النقاب عن تقديم الولايات المتحدة دعماً عسكريًّا للأكراد في سوريا، كما أُشيع اعتزام واشنطن إنشاء مطار عسكري في مدينة (الحسكة) ذات الأغلبية السورية، وربما قواعد عسكرية فيما تسمى بمناطق الإدارة الذاتية التي أسسها الأكراد بعد ارتخاء قبضة الحكومية المركزية في دمشق مع تزايد خطوط المواجهة بين النظام والثوار.

طبعاً، لا يعتبر بأية حال مساعدة الأكراد في المنطقة -باعتبارهم شعوباً لها تطلعات قومية- لا يعتبر توجهاً خطيراً في حد ذاته، ولكن الأخطر هو تفضيل مكوّن محلي في مواجهة الأغلبيات (من الناحية القومية أو الدينية).
فالأكراد يعتبرون من المكونات التاريخية والحضارية الرئيسة في "الشرق الكبير"، بمعناه الحضاري ليس الإمبريالي! بجانب العرب والفرس والأتراك وغيرهم، ولديهم مطالب وحقوق قومية لا مشاحة فيها مشروعة على الإطلاق، وتضرروا من أنظمة ما بعد الاستعمار كما تضرر الآخرون.

هل ستكرر بعض المجموعات الكردية ذات الخطأ التاريخي الذي تسبب في حرمان الأغلبية من تحقيق حلمها بدولة قومية بالرهان على القوى الإمبريالية مرة أخرى؟ وإذا ما فشلت "الحرب على الإرهاب" كما حدث في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، ما الثمن الذي ستدفعه غالبية الكرد مستقبلاً جراء تلك الأخطاء الفادحة؟

سقوط أخلاقي

وفقا لتقارير إعلامية، فقد تزايدت وتيرة عمليات نقل الأسلحة من قبل واشنطن ودول أروبية أخرى، خاصة بعد معارك عين العرب (كوبانى) في آواخر 2014 وبدايات العام 2015، وقبلها إحباط محاولات مقاتلي الدولة الإسلامية للتقدم نحو كردستان العراق وجبال (سنجار)، حيث الأقلية الأيزيدية في شمال العراق.

بالاستناد لذات التقارير، في أكتوبر من عام 2014، ألقت طائرات أميركية أسلحة وذخائر على قوات "حماية الشعب الكردي"، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة صالح مسلم، والذي يعتقد، على نطاق واسع خاصة من قبل تركيا، بأنه امتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا.

إن إقدام القوى الكبرى، وبالأخص القوى الغربية -وهي التي تقدّم نفسها على أنها تتمسك بكونية القيم والأخلاق في السياسية العالمية والتي تتبجح بهذه الشعارات، في مواجهة صعود الصين وروسيا كأقطاب في الساحة الدولية- يعتبر سقوطاً أخلاقيًّا مريعاً.

براغماتية فجة

بعد أن تكشف ما كان مخبوءًا، فإن واشنطن -على ما يبدو- باتت تتعامل ببراغماتية فجة مع "المسألة السورية"، ولكن ما هي الدوافع الأميركية وراء تسليح طرف -وهو هنا وحدات "حماية الشعب الكردي" وهو لا يعتبر ممثلاً حقيقيًّا للحركة السياسية الكردية العريقة وتياراتها المتعددة- ضد أطراف أخرى وربما في مواجهة الأغلبية؟

برأيي، هناك عدّة دوافع يمكن أن نفسر بها السلوك الأميركي في تجاه هذه المسألة بالتحديد منها:

أولاً: إدراك الولايات المتحدة خطر الرهان على الجيوش العربية بعد فشل برامج تدريب قوات سورية "حليفة" في قتال "تنظيم الدولة" وأيضاً فشلها فرض أولوية "مكافحة الإرهاب" على إسقاط نظام الأسد على المعارضة السورية وحلفائها.

ثانياً:
رغبة واشنطن في تجنب خيار التدخل البري، وعدم تكرار ما قامت به في أفغانستان والعراق، مع عجزها عن السيطرة على الأوضاع في الشرق الأوسط رغم تفوقها العسكري باستخدام الغارات الجوية والطائرات بدون طيار (درونز).

ثالثاً: محاولة واشنطن الحد من نفوذ روسيا بعد تدخل الأخيرة عسكرياً لصالح الأسد، كما تهدف واشنطن أيضا لعدم ترك الساحة السورية -والتي ستتحدد صورة مستقبل المنطقة - لروسيا التي تريد جعل الشرق الأوسط ميداناً لاستعراض قوتها ونفوذها، كما أن أوروبا تريد التخلص من عدوانية وتوسعية "بوتين" على حدودها، كما فعل سابقاً في جورجيا وأبخازيا أوكرانيا مؤخراً.

رابعاً: فرض واقع جديد في الشرق الأوسط قد يعيد صياغة المنطقة على أسس جديدة ترتكز على إعادة تقسيم الدول القائمة، خاصة سوريا، واحتمالات نشوء "كانتونات" عرقية وطائفية كبديل لسيناريوهات أخرى لا تريدها الدول الكبرى.

خامسا: ترغب واشنطن بأن يكون التعاون مع الأكراد نواة لقوى "علمانية" في ظل أرجحية نفوذ ووزن القوى الإسلامية -وربما التيارات والشخصيات التي ستكون معادية للمصالح والسياسات- في ائتلاف قوى الثورة والمعارضة، وذلك في سوريا الجديدة ما بعد الأسد.

سادسا: باعتمادها على قوات "سوريا الديمقراطية" ميدانيًّا، تحاول واشنطن التخلص من "العناد" التركي والاشتراطات العديدة التي تتمسك بها "أنقرة" لإنهاء الحرب في سوريا وأهمها إقامة المنطقة العازلة داخل الأراضي السورية، واعتبار المتمردين الأكراد "إرهابيين" كـ"تنظيم الدولة" وجبهة "النصرة"، واستهدافهم بـ"الحرب على الإرهاب"!

سابعا: كما تسعى واشنطن لمنع إسقاط نظام الأسد، بتحالفها مع الوحدات الكردية، فهي بذلك تضرب عدة عصافير بحجر بجانب ما تقدم: فهي تؤسس لنوع من التعاون العسكري بين الكرد ونظام الأسد يمنع تقدم المعارضة نحو العاصمة دمشق أو نحو الساحل (كان ذلك قبل التدخل الروسي طبعا) مع غض النظام السوري الطرْف عن المدن والقوى الكردية!

تداعيات كارثية

ومما لاشك فيه، أن خطوة واشنطون بإقدامها على تسليح فصيل كردي لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" -في الحقيقة أيضاً بعض مواجهة فصائل المعارضة "المعتدلة"- من شأنها تطيل أمد النزاع في سوريا، كما أنها تنطوي على تداعيات كارثية مستقبلاً، فهذه السياسة ستحوّل الأزمة في سوريا إلى صراع قومي (بين الأكراد والقوميات الأخرى)، وصراع مناطقي (احتمالات نشوب نزاع على تبعية مناطق أو ترسيم حدود إدارية مثلاً)، أو صراع مفتوح بين الإرهابيين (وهم هنا بالتوصيف الأميركي الجماعات الجهادية ولكن في الواقع حاضنتهم المفترضة: العرب السنة) ومكافحي الإرهاب.. وما إلى ذلك.

ويسعي الروس أيضا لتوظيف الورقة "الكردية" في سوريا للانتقام من تركيا من حادثة إسقاط المقاتلة الروسية مؤخراً، وفرْض تصوراتهم للمنطقة وربما استخدام المقاتلين الأكراد في عمليات برية مفتوحة، وبذا سيقع الانتقام والرغبة في الثأر من "الضحايا" على الأكراد!

إن سياسات القوى الكبرى المجردة من الأخلاق، ستكون نتائجها مستقبلاً مدمرة، وما يمكن قوله هنا، إنه من المستحيل تغيير الحقائق التاريخية والديموغرافية في المنطقة، فهؤلاء يؤسسون حقًّا لمرحلة "حرب الكل ضد الكل"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.