المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عباس محمد صالح Headshot

نموذج "النهضة" التونسي.. وتطور الحركات الإسلامية!

تم النشر: تم التحديث:


بعد ثورات الربيع العربي التي انتقلت بالمنطقة العربية إلى قلب الصيرورة العالمية للدمقرطة، يمكن القول إن كل بلد عربي يبدو أنه ينتج نموذجه الخاص، بعد أن كانت البلدان العربية تعتبر إلى حد كبير مستثناة من موجات الديمقراطية التي اجتاحت العالم.
فتونس، مهد الربيع العربي، نجحت -إلى حد كبير- في الإبقاء على بعض مكتسبات ثورتها التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي في خضم تحديات محلية وإقليمية ودولية ضاغطة.

وفي هذا الإطار يقرُّ كثيرون بالدور الحاسم الذي لعبته المواقف والاختيارات السياسية لحركة النهضة في الحفاظ على ثورة الشعب التونسي وإنجاح مسار الانتقال السياسي هناك.

ومع ذلك، طرحت النخب المتعلمنة والغرب -ولا تزال تطرح- أسئلة عديدة حول موقع الحركات والتيارات الإسلامية من الانقلاب السياسي الذي أحدثته ثورات الربيع العربي التي زعزعت "الاستبداد الراسخ" في بلدان المنطقة خاصة تونس التي كانت تعتبر نموذجا للتحديث التسلطي، حيث الإرث البورقيبي الذي نُظر إليه على أنه نموذج للحداثة العربية، ومن هنا كانت المدعاة الحقيقية لمراقبة حركة "النهضة"، أداءً وسلوكًا وخطابًا، من قِبل هذه النخب داخل وخارج تونس.

نضج "النهضة"

ويبدو للمراقب أن الخطاب والمواقف السياسية لحركة النهضة التونسية تثير الإعجاب والفضول -وللمفارقة- لدى الخارج أكثر من الداخل التونسي أو النخب العربية عمومًا، فقادة الحركة باتوا ضيوفًا مفضّلين على المنابر العالمية المرموقة لا سيما تلك التي تتصل بالديمقراطية والانتقال السياسي والاستقرار.

ما الذي جعل حركة النهضة بهذا التطور والنضج السياسيَّيْنِ، خلاف عديد الحركات الإسلامية في المنطقة العربية؟ وهل يمكن اعتبار ذلك قطيعة مع إرث الحركات الإسلامية؟ وما الذي يمكن أن يقدمه نموذج النهضة بالنسبة للحركات الإسلامية والتيارات الساعية للديمقراطية في الوطن العربي؟

بنظري، إن النضج والتطور في خطاب "النهضة" -ليس بالمقارنة مع نظائره من التيارات الإسلامية فحسب، ولكن حتى مع الأحزاب العلمانية كذلك- يرجع لعدة عوامل:
أولا: تجربة القمع والاضطهاد والتواطؤ والإقصاء طوال حقبة النظام البائد ساعدت الحركة على تطوير مواقف وخطابات تكون بديلة "للمنظومة" التي كانت سائدة في تونس وفي البلدان العربية.

ثانيًا: البناء على خبرة وتجربة التحالفات والتواصل مع الأحزاب والمجموعات والشخصيات المعارِضة ممن شملهم القمع الممنهج لنظام بن علي.

ثالثًا: التطور التنظيمي للنهضة وتحررها من عباءة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وأشكال العمل الإسلامي الجامدة والرتيبة ومراعاة خصوصيات البلدان وتقاليد العمل السياسي بها، فضلا عن استفادتها من تجربة الحركة الإسلامية في السودان التي راكمت خبرات سياسية ساعدتها على دخول معترك الصراع السياسي ومن ثم الوصول للسلطة عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو/حزيران 1989، وهو ما لم يكن متاحًا في البلدان العربية الأخرى في تلك الفترة.

رابعًا :خصوصية تونس ذات الإرث الحضاري الذي تعرّض -بسبب الاستبداد- إلى تخريب ثقافي باسم الحداثة تارة وتارة أخرى باسم السلفية، فحركة "النهضة" وهي إذ تسعى إلى إيجاد بديل حقيقي لا يعيد إنتاج التجارب السابقة كان يتوجب عليها تبني مواقف وخطابات سياسية مغايرة. خامسًا: طبيعة تكوين الفكري والثقافي للقيادات البارزة بالحركة الذي يجمع بين التكوين التقليدي والحديث وهو ما انعكس في أفكار وتصورات هؤلاء القادة في المجال العام. وأخيرا، إدراك قادة النهضة لموازين القوى والرهانات في تونس وخارجها.

ما أهمية نموذج النهضة؟

ما يقدم لنا نموذج حركة "النهضة" للقوى والتيارات التي تراهن على خرق جدار الاستبداد والاستعمار والتغلب على تأثيرهما السالب في سعي شعوب المنطقة العربية في التحرر من رِبقة التبعية والتخلف.

يمكن القول إن تجربة الإسلام السياسي بتونس -ممثلة في النهضة- قد أثبت الحقائق التالية:

أولا: إمكانية تطور الحركات الإسلامية إلى حركات سياسية راشدة تكون عاملاً مهما في تعميق التحولات السياسية في البلدان العربية وصولًا إلى نظم ديمقراطية مستقرة راسخة، فقط إذا ما توسع الحيز الديمقراطي العام بما يسمح بذلك، وإذا ما تخلت النخب الحداثوية عن عقلية الوصاية واستصغار الشعوب العربية التوّاقة للتحرر من نيْر الاستبداد.

ثانياً: إن الانتقال الديمقراطي وهامش التحول الديمقراطي لا يمكن المحافظة عليه أو توسيعه تدريجيًّا من دون وجود الحركات الشعبية ذات الثقل كالحركات الإسلامية، لا سيّما في تراجع التيارات القومية واليسارية.

ثالثا: إن الركون لتفسيرات "ثقافوية" لتبرير وإدامة نظم التبعية والاستبداد بالخوف من الحركات الإسلامية أو بدعوي قصور الشعوب العربية، قد أتت ثورات الربيع العربي على حجج هذه "التفسيرات" وفضحت مروجيها.

وهناك عامل مهم يتصل بالتحرر السياسي والاستقلال والسعي من أجل الديمقراطية، وهو استنفاد نخب دول ما بعد الاستقلال أغراضها تماما بعد أن أوصلت البلدان العربية إلى الحضيض على كافة أصعدة الإنجازات، مقارنة بدول عديدة شقّت طريقها للنهوض واللحاق بركب الحضارة والتقدم وضمان رفاه شعوبها.

أطروحات متعسفة

وفي سياق الحديث عن نموذج حركة النهضة، تبرز ثنائية الدعوي والسياسي التي تطرح اليوم في مرحلة ما بعد الربيع العربي، والتي فتحت باب المشاركة السياسية أمام كافة القوى، وتبعاً لذلك ترجّحت حظوظ الحركات الإسلامية التي تتمتع بجماهيرية كبيرة أكثر من غيرها، يُطرح في مواجهة هذه الحركات امتحان الفصل بين "السياسي" و"الدعوي" فهل تقدم تجربة النهضة جديدا في هذا الصدد؟

ابتداءً، تبدو هذه الأطروحة متعسفة وتعجيزية - تمامًا كما هو الحال مع ثنائية الأممي والوطني في مواجهة تيارات الإسلام السياسي- فما هي حدود السياسي وحدود الدعوي كي يصير التمييز والفصل بينهما؟ في هذه النقطة يمكن أن يتحقق نوع من التمايز داخل الحركات الإسلامية، كلما اتسع حيز الديمقراطية، بحيث يسمح بضمان الحقوق والحريات العامة أمام كافة القوى والتيارات السياسية، ونفس الوقت يسمح بتأسيس أحزاب ذات "مرجعية إسلامية" حيث من المحتمل أن تركز تشكيلات داخل التيار الإسلامي على مجال الدعوة والتربية.

إن تجربة حركة "النهضة" تدفع للبحث عن مقاربة جديدة يمكن أن تطرح وتناقش في سياق الجدل حول إدماج التيارات الإسلامية في الحقل السياسي، وهي إلى مدى يمكن أن تتحول الحركات الإسلامية في البدان العربية إلى مجموعات ضغط في مواجهة نظم الاستبداد وأطماع الخارج لما تتمتع به من جماهيرية بدلاً من أن تتحول إلى أحزاب تنافس على السلطة وما يترتب على هذه الخطوة من "تكاليف" باهظة لما يشكله البعد السياسي للحركات الإسلامية من تهديد جدّي لمصالح النخب المحلية والدول الكبري ذات المصالح الحيوية في هذه المنطقة.

إن نموذج "النهضة" في تونس يمكن البناء عليه ليكون نموذجًا يعمم على بقية الدول لأهميته من ناحية إشباع رغبات الشعوب في الديمقراطية والحرية والتنمية والاستقرار والاستقلال الحضاري والأهم من كل ذلك إشاعة "الاعتدال"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.