المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أبانوب عوني مرقص Headshot

قرر الرحيل من كوكب مصر

تم النشر: تم التحديث:

قرر الرحيل من كوكب مصر..
ذهب تاركا لهم ما تبقى من حطام أنفسهم..
تركهم في ساعتهم الأخيرة ليمرحوا.. علم أنها النهاية.. يستشعرها في كل لحظة في كل دقيقة.. اظلمت السماء.. احمرَّ القمر.. غرقت الشوارع.. أغلقت الميادين.. هذا ليس ما رآه صغيرا.. ليس ما حلم به.. طغى فرعون.. انتصر الشر.. هو يعلم ذلك جيدا حدثوه ذات مرة أن هذه هي علامات النهاية.. سوف يرحل.. نازلا من تلك البناية الصغيرة في أحد الأحياء الشعبية في حواري المحروسة.. عابرا بأزقة.. متمردا.. غاضبا.. على كل من حوله.. قرر الذهاب بلا عوده.. ذاهبا إلى مقهي (قصر الشوق) ليودعه.. فقد اعتاد الذهاب إليه كاعتياد الكهنة في ذهابهم لمعابد الأوثان.. هنا تنطلق روحه وتخرج تاركة جسده بين بخور الشيشة لصنم القهوة.. هنا يعبد علي أنغام أم كلثوم وداليدا وعبد الحليم.. ينظر إليها مودعاً إياها.. كافراً بها.. معلناً إلحاده.. سوف يرحل من هذا القصر ويأخذ الشوق معه.. هو يعلم أن رحيله لن يسبب إزعاج.. إن رحل فلن تتوقف البورصة ولن تسقط الأسهم.. إن رحل فلن يأتوا بصورته على التلفاز واسمه في الراديو.. لن يعلنوا حظر التجوال. فهو لا يشغل بال أحد.

داليدا: على بالي على بالي.. حبيبى على بالي
على بالي على بالي.. ابن بلدي على بالي..

يصارع نفسه بين صوت اعتاد سماعه في ذلك المعبد محاولا تنفيذ ما اتخذه من قرار.. الأمر صعب.. لو ذهب لن يعود.. سوف يترك أبو وائل البقال.. لن يرى ثانية عم محمد صاحب عربة الفول في طريق جامعته.. سوف يترك من تربى معهم.. من حلم معهم بأنه يوما ما سيصير ضابطا والثاني طبيبا والثالث مهندسا.. هو يعلم أن كلها أحلام لن تتحقق ويعلم أيضا أن النجاح ليس فيما كانوا يتمنون ولكن الأحلام وإن كانت مستحيلة لها لذة تجعله ينتشي.. لذة عرفها هو ورفقاؤه.. لن يعرفها سواهم.. سوف يرحل تاركاً كل هذا.. سوف يخلق من جديد حالماً بجنة قد طرد منها يوما ما في قديم الزمان.. سوف يرحل.

داليدا: لا يا مصري لا لا وألف لا
تهجر بلدك وتسيبنا.. بلدك بيك أولى..

يحطمه صوت داليدا من ذاك المذياع المعلق كصنم في معبد البعليم
لعن الله تلك الأصنام "مرددا في نفسه".. تحطمه ذكرياته.. ينظر إلى الوجوه محاولا نسيانها ولكنه لا يستطيع
داليدا:
ليه تهجرنا وقلبك يقسى.. ليه تبعد وحبايبك تنسى

فقد تعلم أن (مصر هي أمي نيلها هو دمي).. كيف يتخلى عن أمه أو يفرط في دمه.. صراع داخلي سوف يؤدي لهزيمة الجيشين.. كيف يكف كل هذا؟!.. كيف ينسى ما رسمه في حصة أبلة إيمان بتاعة الرسم.. ليرسم الجندي ساقطا في دمائه والعلم يرفرف عاليا..هكذا يرى مصر.. علماً يرفرف.. مترددا.. يرحل أم يصغي لصوت داليدا

ليقاطعه صوت ذلك الصبي نحيل البنية. شاحب الوجه: اقرأ الحادثة.. اقرأ الحادثة.. اقرأ الحادثة
"الأحد 3 مايو/آيار 1987"

انتحار المغنية داليدا لالتهامها عدداً كبيراً من الأقراص المنومة.. تاركة بجانبها رسالة تقول فيها:
(الحياة لا تحتمل.. سامحوني).

سامحها وقرر الرحيل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.