المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عامر حيدر Headshot

الإنسان والانقراض

تم النشر: تم التحديث:

الإنسان المخلوق غير المعصوم، الذي يحاول مراراً وتكراراً أن يصل إلى الكمال، عاجزاً عن تدارك زلاته، محاولاً أن يتعلم بعد كل خطأ يقترفه، ساعياً إلى النجاح وإلى السعادة، فهو كائن مركب بل معقد التركيب، فيه روح التصقت ببدن فكونت نفساً، يصعد بها درجات فيرتقي أو ينزل بها درجات فينحدر، ومع كل ذلك يقضي الإنسان حياته مقاوماً لأزماته ومواجهاً لمشاكله التي يمر بها بحثاً عن أرقى درجات السمو في عالم الغيب أو بحثاً عن الملذات والشهوات في عالم الشهادة.

عندما نسمع كلمة الانقراض فإن أول ما يطرأ في أذهاننا هو انقراض الديناصورات أو انقراض كائنات أخرى، فالانقراض تعني اختفاء أو توقف وجود النوع الذي ينتمي إليه الكائن الحي.

ولكن ما علاقة الانقراض بالإنسان؟ هل سيختفي الإنسان نهائياً كما اختفى الديناصور، هل هو مهدد بالانقراض مثل بعض الحيوانات؟ وما سبب الانقراض؟ هل بسبب الحروب العرقية، الطائفية، القبلية... التي بدأت ولم تنتهِ، التي سفكت دماء أبرياء، أم أن مخلوقات فضائية ستجتاح الكرة الارضية وتقتل ما فيها من بشر كما نشاهد في أفلام هوليوود بل في الأفلام الوثائقية؟

قد يصبح كل هذا هراء ولا يسعنا القول إلا أن الانقراض له علاقة بالإنسان من حيث إن الإنسان هو مسبب الانقراض لعديد من الحيوانات والنباتات من خلال نشاطاته المتهورة التي يمارسها من دون مسؤولية ومن دون مبالاة اتجاه كوكب الأرض وما عليها.

ولكن ما أقصده بالانقراض هنا في هذا المقال هو ليس اختفاء الكائن الحي والنوع التي ينتمي إليه، بل اختفاء جوهره غير المادي، فالإنسان عموماً يحمل بعدين، بعد المادي وبعد غير المادي، فمن المادي يستعين الإنسان بحواسه الخمس للتعرف على الأشياء من حوله والتعاطي معها، ومن المادي يستمتع بالطعام والشراب واللباس، ويسعى بجمع بالمال ويهتم بالمظهر والمنصب وبأسلوب حياة مترفة، بصورة عامة البعد المادي مركزه عالم الأشياء المحسوسة والمحدودة، فإذا ابتعد الإنسان عن البعد غير المادي وركز أكثر على المادي فسيصعب عليه رؤية ما وراء الأشياء وتجاوزها.

البعد غير المادي بعد روحاني مركزه الله، ولا يمكن تفسيره بالحواس الخمس، له خصائص مختلفة لا يمكن فهمها وتفسيرها بتفسير مادي، ومنها الحس الجمالي، والفني، والخلقي، والعاطفي، ويستخدمها الإنسان كلها في التعبير عن نفسه بطريقة غير مادية، ويتسم البعد غير المادي بتجاوزه للأشياء، فمن خلال هذا البعد يبحث الإنسان عن أجوبة لأسئلة وجودية، أي أسئلة عن الحياة والمعنى والعلل والغايات وغيرها من الأسئلة الكلية والكبيرة، وكذلك يتسم غير المادي (كما يقول عبدالوهاب المسيري رحمه الله) بزمن خاص به مختلف عن الزمن المادي، فالزمن غير المادي هو زمن الإبداع والفشل والنجاح والتغيير، بينما الزمن المادي زمن خاضع للدورات الطبيعية الرتيبة وزمن التكرار.

كلا البعدين مهم؛ حيث إن المادي يسد حاجات الإنسان في عالم الأشياء ويشبع غرائزه مثل الأكل والنوم، أما غير المادي فإنه يفكر ويتأمل ويبدع ويتفنن في سبيل أن يصل إلى درجات العلى والسمو ويرتقي روحانياً، ولكن أن يترك الإنسان البعد غير المادي من أجل المادي بحثاً عن الملذات والشهوات فهنا تكمن المشكلة؛ حيث يصبح الإنسان ناقصاً ذا بعد واحد لا يستشعر الروح التي نفخها الله فيه، فلا يكون كائناً ربانياً بل هو كائن حيواني، مثله مثل بقية الحيوانات التي تتبع غرائزها.

وعندما يكون معظم البشر في مجتمعات عدة ذوي بعد واحد فيحق لنا أن نسأل هل الإنسان مهدد بالانقراض؟ هل سينقرض الإنسان الرباني ويبقي فقط الإنسان الحيواني؟ هل الإنسان الحيواني اجتاح الإنسان الرباني وانتصر عليه؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.