المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عامر حيدر Headshot

هوية جديدة في عالم جديد

تم النشر: تم التحديث:

في ظل الانفتاح الذي يشهده العالم على الصعيد الاقتصادي والسياسي وأيضاً الاجتماعي أصبح العالم وكأن أجزاءه قريبة بين بعضها بعضاً، وخاصة مع وجود التقنيات الحديثة الآخذة في التطور بصورة مستمرة وعلى وتيرة سريعة، ما جعلت العالم وكأنه قرية صغيرة، كما جعلت الإنسان يتنقل بسهولة في أرجاء العالم وأصبح أكثر إلماماً بما يحصل من حوله.

للانفتاح إيجابيات عدة وكثيرة وليس هذا حديثنا، ما يهمنا هو ما يتعلق بموضوعنا ألا وهو الهوية وأثر الانفتاح عليها.

أولاً, الهوية هي تعبير أو وصف عن فردانية الإنسان وتميزه عن غيره ويشمل ذلك (الاسم, الجنس, الطول, ملامح الوجه, الجنسية, اللون...). وكذلك الهوية هي تعبير ووصف عن علاقة الإنسان مع جماعات ينتمي إليها مثل الأسرة، القبيلة... ومع جماعات مشتركة في اللغة أو الدين... حيث تكتسب هذه الجماعات قيماً وتصورات تتشكل وتتطور مع مرور الزمن تُميزها عن بقية الجماعات, ويسمى هذا النوع من الهويات الهوية الثقافية والهوية الوطنية.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن هنالك هويتين: هوية خاصة وهوية مشتركة مع جماعات. أما الهوية التي تتأثر بالانفتاح "وهذا محور حديثنا" فهي الهوية المشتركة مع الجماعات وبالتحديد الهوية الثقافية. فتبدأ تتلاشى تدريجياً بعد تقبل الانفتاح "ابن العولمة!" بمجمله دون تصفيته من الشوائب التي تتعارض مع سمات وعناصر الهوية.

أما الانفتاح فهو وليد العولمة التي هي شكل من أشكال النظام العلماني الشمولي القائم على الطبيعة /المادة. فالعولمة هي عملية تكامل عالمي تقوم بها المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإعلامية والثقافية وغيرها ذات القوة والنفوذ الواسع في أنحاء العالم، ينتج عنها مفاهيم وإجراءات وقوانين وتنظيمات، تساعد على إزالة الحدود الثقافية بين الدول ما يجعلها حتماً منتشرة في أرجاء العالم فينعكس سلباً - مع مرور الوقت - على الجوانب الثقافية كالعادات والتقاليد والقيم.

وبالتالي نفهم أن العولمة تقوم بتفكيك هوية الإنسان الثقافية وجماعاته وإعادة صياغتها بما يتناسب مع أهدافها، ومن ثم تضيع هويتنا الأصيلة.

ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان سيصبح معدوم الهوية، فهذا مستحيل، بل سيكتسب هوية ذات ملامح جديدة بعيدة كل البعد عن هوية أسرته, قبيلته, دينه وجميع الجماعات التي ينتمي إليها, فهي هوية عالمية خاصة بنظام العالم الجديد, عالم خرج من رحم الحضارة الغربية التي مرجعيتها مادية تدور حول اللذة والمنفعة والقوة.

بمعنى آخر أي إنسان ينتمي إلى هذا العالم سيكتسب هوية العالم الجديد. فهوية العالم الجديد تتسم بالانفتاح دون مراعاة العادات والتقاليد والأديان والأعراف الذي ورثها الإنسان من تراثه، وتتسم بالتحرر من الأخلاق والمعتقدات التي كانت سائدة من قبل، وتتسم بضوابط تحقق أهدافها وتصاغ من خلال منظمات دولية مثل منظمة الأمم المتحدة, صندوق النقد الدولي, منظمة التجارة العالمية, الوكالة الدولية للطاقة, مجموعة الثماني, الناتو وغيرها التي هي قد تكون منظمات مهمة جداً (على الأقل بعضها) ولكنها أديرت واستغلت بطريقة سيئة في العالم الجديد.

نسمع كثيراً في هذه الأيام مصطلحات ومسميات متداولة بين نشرات الأخبار لم يعهد الناس سماعها من قبل مثل: المجتمع الدولي، الأسرة الدولية، القانون الدولي، المحكمة الدولية وغيرها من المسميات التي تشير إلى أننا أصبحنا ضمن هذا العالم الجديد المنفتح، ولا بأس في ذلك.

ولكن إذا كان الانفتاح لا يُعرف عن حدوده شيء، بل لا حدود له يمتد ويتسع دون توقف مع إزالته وطمسه لعناصر الهوية الثقافية، إذا ما تقبل الإنسان أو المجتمع, فهنا تكمن المشكلة. ولكن علينا أن لا نترك هويتنا الأصيلة التي تصقلت من خلال خبرات وتجارب مرينا بها مقابل اكتساب هوية العالم الجديد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.