المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صهيب أعظم Headshot

يحكى عن: لا عيش إلا عيش الآخرة

تم النشر: تم التحديث:

قال: وأنا أريد أن أعيشَ الحياة بفلسفةٍ مادية محضة، أبني كوخاً في أحد التلال البعيدة، أعزفُ الفلاتو، وأصطاد السمك، وأقرأ روايات دوستويفسكي فحسب، وليذهب العالم للجحيم.
وأنت؟

انتظرَ الفتى حتى ابتعدَ دخانُ الحروفِ المحترقة بعيداً كي لا يعكر صفوَ الجو وهو يتحدثُ عما يهيمُ به القلب، وتنبضُ له الروح.

أنا يا مخبول، لا أهوى إلا القمم، ومنذُ أدركتُ أن للآخرةِ قمة أخذتُ الأمر على محملِ الجد، وضبتُ حقيبتي، وأمسكتُ بقَصَبتي، حزمتُ وعزمتُ على أن لا أبرح حتى أصل.

لقد كان خطاباً مباشراً، على خطى نايومي كلان في كتابها - The Shock Doctrine- علاجٌ بصدمة مرتدة، يجعلكَ تعيدُ النظر في كل المبادئ والفلسفة التي بنيتْ عليها خطاك وطريقك، لقد كان الأمر مريباً، مريباً للحد الذي جعلهُ يتوقفُ دقيقةً عن التفكير في كل تلكَ الأفكار البالية التي عاشَ من أجلها، قاطعَ تفكيره استباقاً ثم قال: كيف؟ تحدث رجاءً.
فقال له: ستفهمُ الأمر عندما تدركُ أننا اليومَ نعيشُ آخر مراحلِ الملك الجبري، الأمر يحتاجُ للبناء، للتدافعِ الكبير، يحتاجُ لسواعد قوية، وقلوب مؤمنة وتصديق بأننا اخترنا فعلاً يقيناً، صدقاً؛ كي نعيدَ البناء بعدَ 14 قرناً من قطعِ الأوصال والأحبال مع دولة القرآن، قدر لنا أن نبني دولةَ القرآن، تربيةً تنظيماً ثمَ زحفاً على منهاجِ النبوة.

أيعقل يا صديقي أن ترمي بنفسكِ في خيمةٍ عندَ وسطِ الغابة، تحاول أن تصطادَ الحوت الصغير، بينما قدر لكَ أن تعيشَ حياةً مختلفة، فتزاحم كتفاك كتفي الزبير بن العوام ومحمد الفاتح وعقبة بن نافع؟

أيعقل أيها الآدمي أن تعيشَ بمعزل عن الناس، بينما قدْ تمنى كثيرٌ من الرجال عبرَ التاريخِ الضارب أن يعيشوا هذه الفترة بالذات، وهذه الهنيهة بعينها كي يساهموا بالكثير، بالمال والجهد؛ كي يكونَ لهم نصيبٌ وحظ أوفر في بلوغِ الحدِّ الكبير.

لا أظن ذلك، لا أظنُ أنك مغفل إلى درجة أن تجلسَ عندَ التل تشاهدُ معركةً ضارية، فتسمع بعد ذلك عن صداها، عن أثرها في الآخرة، ستتحسر لأنك لم تشاركْ فيها، وكنت أحمقاً وأخرقاً لأنك ارتكنتَ عندَ التل، تحاول الإمساك بأنثى اليعسوب!

فقال له: وأنت ما محلك من المعركة؟!

ابتسم، ثم استرسل في حديثه:
ستجدني في كل مكانٍ يا فتى، لقدْ أدركتُ أن الأمر مهم، ولن يقل أهمية عن أن يكونَ لي مكانٌ بين الخالدين، ستجدني في مقدمة الصفِّ عندَ آخر الصف، مرتكناً نحوَ الميمنة، أصدهم من الميسرة.. هذه معركةٌ طويلة، لها فصولها ودستورها وقانونها، عنوانها... لا عيش إلا عيش الآخرة. فاختر لنفسكَ طريقَ الأثر حتى تصلَ إلى أعلى ما عندَ الله.

ستعيشُها إلى الأبدِ في القاعِ السحيق، بينما غَيْرُكَ قدْ استنزفَ كل طاقته، كل شبابه، كل أفعوانه، وكل مثقال حبةٍ من خردلٍ في هذه المعركة الكبيرة.

ويا ليتكَ قدْ تنبهتَ لِعِظَمِ الأمر، حتى تتحرك، حتى يُسْرَقَ النَّوْمُ من عينيك، وتتذكرَ أنكْ إن تهاونتَ للحظةٍ بعينها، قدْ تتأخر في الوصول، أو قدْ لا تصل.

فما قيمتك إن كانَ خطّ حياتك مستقيماً دون صعودٍ وهبوط، دون تسلقِ مرتفعاتٍ وهبوطٍ في منحدرات، هذه الدنيا مملة للحد الذي يجعلُ نعيمها في كدرها، عنوانها.. لا عيشَ إلا عيش الآخرة صديقي.

وأتمنى أن لا تتحسر، أن لا تتألم، وأن لا تجزع وأنت تسمعُ اسمي يترددُ صداهُ يومها.. أتمنى لكَ حياةً هادئة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.