المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سباستيان ماتياس Headshot

لمَ ستمر ألمانيا بتغيرات جذرية هذا العام؟

تم النشر: تم التحديث:

قبل فترة ليست ببعيدة، كان العالم ينظر لأمّتنا بإعجاب. بدت ألمانيا خلال كأس العالم عام 2006 بلادًا بهيجة كسكن جامعي، مكانًا يرحب بالغرباء حيث الكل يستطيع أن يحتفل بمرح. بل تحولت ألمانيا في السنوات التالية إلى نموذج يحتذى. بينما كانت دول الجوار الأوروبية تنزلق نحو الركود، كنا نخلق فرص العمل هنا. أتى الشباب من كل أنحاء العالم إلى ألمانيا لأن المستقبل بدا أكثر إشراقًا هنا.

ثم أتى صيف عام 2015.

فجأة بدأت قنابل المولوتوف تُلقى على مراكز إيواء طالبي اللجوء. وقع حوالي 200 هجوم على مراكز الإيواء خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام. أفاد مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية بوقوع 131 هجومًا شنه متطرفو اليمين خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب فقط.

الهجمات الكلامية والجسدية على الأجانب تزداد في محطات المترو، وفي حادثة مقززة، تبول نازيون على أطفال عائلة نازحة. تظاهر المئات منهم أمام مراكز اللاجئين في هايندو وساكسوني، حتى إنهم صرخوا على أنغيلا ميركل خلال زيارتها لأحد تلك المراكز بعبارة "خائنة شعبها"، وهو تعبير يستعمل في الدعاية النازية.

من الصادم أن هذا يحدث في ألمانيا، لأنه لا علاقة له بالناس الذين نتعامل معهم يوميًّا. لا يناسب الجو الكوسموبوليتاني للمدن الكبرى مثل هامبورغ، برلين، كولونيا وميونيخ.

هذه الكراهية العلنية المتزايدة ضد الأجانب تظهر غالبًا في بلدات صغيرة، في أماكن تعاني من البطالة المرتفعة، من فرص محدودة ومن سلطة خطيرة للجناح اليميني، حيث يقوم آخرون بحماية المهاجمين.

أحد المشتبه بهم في حريق مركز إيواء كان عامل إطفاء ساهم لاحقًا في إطفاء الحريق.

أهمل الإعلام والسياسيون حركة اليمين وقللوا من شأنها طوال سنوات، رغم أن اليمين أصبح قويًّا في بعض أجزاء ألمانيا. لقد تجاهلوا حقيقة أن البلدات الصغيرة في أقاليم ألمانيا الشرقية تخضع لسيطرة مطلقة من قبل متطرفي اليمين، حيث تنتشر الملصقات الجدارية من المرحلة النازية وحيث يسود الخوف الذي يحفزه أنصار اليمين المتطرف. في هذه البلدات، تسيطر ثقافة اليمين على كل شيء، من المدارس إلى دكاكين النجارة. لكن ثمة هجماتٌ على مراكز إيواء اللاجئين وقعت في غربي وجنوبي ألمانيا أيضًا. لذا فإن راديكالية بعض أجزاء المجتمع الألماني هي ظاهرة لا تقتصر على ألمانيا الشرقية. يأخذ "المكتب الفيدرالي لحماية الدستور هذه الظاهرة على أنها تهديدٌ، شكلٌ جديد من إرهاب اليمين.

أحيانًا أريد أن أستيقظ من هذا الكابوس. أهذا حقًّا البلد الذي أرغب أن أربي أطفالي فيه؟ هل هو بلدٌ لم أعرفه حتى الآن؟ زوجتي من بريطانيا وأجدادها من الهند. وصلت إلى هنا وتلقت ترحيبًا حارًّا من الجميع، شأنها شأن آلاف المهاجرين. في حياتنا، لم تكن توجد ألمانيا الأخرى القبيحة هذه من قبل.

لقد نبذت مجموعة صغيرة غير راضية تفاهمًا ثقافيًّا واسع الانتشار: ألمانيا مجبرة على الترحيب بمن هم بحاجة لمساعدة لأنها إحدى أغنى دول العالم.

هذا شيء يجب الكلام فيه. أربعون بالمائة من اللاجئين الذين يأتون إلى أوروبا يقصدون ألمانيا. حسب التقديرات الحكومية الأخيرة، سيصل عدد اللاجئين إلى 800 ألف هذا العام. هذا يعادل عدد سكان فرانكفورت أو ماين. هذه الحقيقة تخيف الكثير من الألمان.

الكثير من هؤلاء المواطنين "القلقين"-كما يسمون أنفسهم- ليسوا قلقين بشأن اللاجئين، إنهم قلقون على أنفسهم. يخشون تراجعًا اقتصاديًّا، يخشون من فقر الأيام الخوالي، يخشون أن شيئًا ما سيؤخذ منهم. والآن وجدوا سببًا لخوفهم: اللاجئين الذين أتوا إلى ألمانيا ليأخذوا نقودهم ويستفيدوا منها.

يستخدم المحرضون على الكراهية وأحزاب اليمين المتطرف هذا الخوف. لقد وجدوا جمهورهم. يستخدمون الإنترنت ليحرضوا الجموع الخائفة. ينشرون قصصًا زائفة حول اللاجئين الذين يريدون أن يستغلوا نظامنا الاجتماعي. وفقًا لرؤية بائعي الحقد هؤلاء، السياسيون والصحافة يكذبان، لذا فإنهم يخلقون حقيقتهم الخاصة بهم. حسب منطقهم المريض، ثمة منطق يسمى "إرادة الشعب"، هذا المنطق يبرر العنف ضد المواطنين الأجانب. لذا، نحن لا نواجه أحدَ اسوأ موجات إرهاب اليمين المتطرف منذ الحرب العالمية الثانية فحسب، بل أيضًا الذروةَ البشعة لدعاية كره الأجانب.

لنكن واضحين: هؤلاء الناس أقلية. لا يوجد حزب كبير مُعادٍ للأجانب في ألمانيا مثلما يوجد في الدانمارك أو السويد. لكن هذا قد يتغير إذا أصبحت هذه الأقلية أقوى، بسبب عدم وجود من يواجهها. لفترة طويلة، نظر غالبية الألمان إلى الأمر دون تصديق. تأمل الكثيرون، مثل أنجيلا ميركل نفسها التي التزمت الصمت تجاه الهجمات على مراكز اللاجئين، إن هذا الغضب سيتلاشى كعاصفة ثقيلة. لكن صمت الأغلبية زاد من قوة الأقلية التي شعرت أنها تشكل الأغلبية. في البداية لم يتكلم الكثيرون في هذا الجدل الساخن. كانت هافينغتون بوست ألمانيا أول منبر إعلامي أخذ موقفًا واضحًا: في مقال كبير، أعلن 200 سياسي، ممثلون، أساتذة جامعة، طلاب ومتقاعدون: "أهلاً بكم أيها اللاجئون. نحن سعداء أنكم هنا".

كل من يقف بجانب اللاجئين سيعرف الجانب القبيح من هذا البلد. انهمرت علينا الرسائل الإلكترونية، رسائل الفيسبوك والمكالمات الهاتفية. تكلموا عن "رعاع قذرين"، و"غرف الغاز" لحل مشكلة اللاجئين، مؤكدين أنهم لن يجلبوا سوى "العنف والمرض" لألمانيا. لكن حركةً مناهضة تشكلت أخيرًا.

يجمع طلابٌ، ممثلون، مدراء، مدونون وسياسيون تبرعات لشراء الملابس والمؤن لأجل اللاجئين، ويستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لمواجهة الغباء النازي بحجج قوية.

إنهم يرون الحالة كما هي عليه في الواقع: تحدٍ كبير أمامنا جميعًا.
حتى صحف الفضائح تنفي الروايات الملفقة حول اللاجئين. قبل سنتين، كانت تسمم الجو بـ"حقائق" مثيرة للجدل حولهم.

لكن هذه هي البداية فقط. إذ سيواجهنا في المرحلة التالية تحدٍّ كبير في مسألة دمج اللاجئين. ميركل تدرك هذا أيضًا. في مؤتمر صحفي عقدته الاثنين، قارنت ميركل بين العمل الذي يقتضيه دمج اللاجئين خلال السنوات القادمة مع الجهود التي بُذلت "لبناء ألمانيا الشرقية" بعد إعادة توحيد ألمانيا.

خلال الأشهر والسنوات القادمة، سيكون علينا إعادة دمج أقليتين في نفس الفترة: اللاجئين الذين سيبقون معنا لفترة طويلة و"المواطنين القلقين"، ممثلي ثقافة الخوف.
ستكون المهمة أصعب مع المجموعة الثانية على الأغلب.

هذا تحدٍّ تاريخي. ستحدد كيفية التعامل معه ما سيمضي إليه هذا البلد. يتعلق الأمر برمته بسؤال مهم: هل ترغب ألمانيا أن تبقى البلاد البهيجة التي استضافت كأس العالم والتي يرغب الكثير منا العيش فيها؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.