المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالجواد قاسم  Headshot

الحب في مرحلة الـ"كي جي وان"

تم النشر: تم التحديث:

في الصف الرابع الابتدائي، عمري عشر سنوات فقط، وقلبي يضرب بعنف عندما أراها في حوش المدرسة تجري أو تأكل ساندوتش اللانشون البيتي وتحلي بالمربى، طفلة تصغرني بعامين، خداها يتقدان احمراراً مثل شرائح اللانشون، وسحرها أطعم من مذاق مربى التين، عيناها رماديتان في اتساع بياض رائق وبهما فتنة وألق لا يقاومان، يتضح ذلك عند مقارنتهما بلون ثوبها المدرسي الباهت الرمادي في أبيض، وشعرها معقوص على هيئة كعكة صغيرة، لا بد أن أخبرها بما في قلبي، كلما اقتربت منها ترددت وانسحبت وكأنني فعلتها على نفسي، أتذكر آخر علقة من الست ماما منذ 3 سنين عندما ابتل سروالي في أول يوم مدرسي خوفاً من عصا الأبلة تهاني الشهيرة، أخبرني أقرب الأصدقاء وقد علم بما لدي نحوها بأنه يعرف بيتها، وهي غالباً ما تجلس في بلكونته الأرضية الوطئة للمذاكرة.

ركبنا دراجة وانطلقنا إلى هناك ذات عصرية، لمحتها من بعيد، هي نفس البراءة والسحنة المشرقة والضحكة التي يضحك معها كل شيء على مقربة، قال صاحبي كلاماً كثيراً لمساعدتي: "افعل كذا وكذا"، بينما أنا أقود البسكلتة وهو من خلفي، "اعزمها على لفة وراك"، لكنني لم أقتنع، عيل عبيط جداً، متأثر بالأفلام القديمة وأدوار فريد شوقي وعمر الشريف الغرامية، ومن شدة توتري وخجلي حينها أخذت شارعها القصير ذهاباً وإياباً مرات عدة وكأننا في مسابقة بسكلتات، تبدأ من شجرة جميز عملاقة بجوار بلكونة بيتها وتنتهي إليها، أخبرتها في اللحظة غير المتوقعة عن طريق مفاجأة حلت من السماء، حينما كدت أن أفقد الأمل وألوي على الانصراف؛ حيث اصطدمت بجذع الجميزة العملاق فوقعنا على الأرض،

يبدو أن شدة التوتر والخيبة قد تسببا في ذلك القدر العجيب، سبحان مسبب الأسباب، صرخت الفتاة ونهضت من مكانها، فوجئت بيدها تجذبني وتنفض الغبار عن قميصي، شكرتها وقلت: "أنا بلف بقالي ساعة هنا عشانك"، غصت في عيونها الرمادية اللامعة طويلاً وأنا أقبض بيدي على كفها الصغير، ابتسمت وجرت مسرعة صوب البيت ووجهها إلى الخلف، معي، فانصدمت هي الأخرى بجذع بشري أقرب من جذع الشجرة، لعله أبوها، وقد هرولنا مسرعين.

في اليوم المدرسي التالي، وكالمعتاد، هي تلعب مع رفيقاتها بالحوش المتسع، في يدها شنطة الساندويتشات الفينو وزمزمية مياه، رأتني فضحكت بحرارة، تذكرت بالطبع ما حدث لي البارحة من أجلها، إذا قلنا بأنها قد نسيته أو غاب عنها المشهد، فبادلتها الضحكة. كان الحوش متسعاً جداً، ولم تكن به شجرات ضخمة تسمح لنا بالاصطدام ثانية، بعض التلاميذ يلعبون الكرة البلاستيك جماعياً دون تفرقة عنصرية بين ذكور وإناث في مثل هذا العمر، ومنهم من يلعب المنديل أو يجرون بلا هدف في اتجاهات مختلفة وهم في غاية السعادة والنشاط، وأنا وهي شأن آخر، رغم صغر السن. اقتربنا أكثر، كلمتها عن نفسي كما يتحدث العشاق الناضجون وكلمتني، عرفت أن اسمها "آلاء"، وحاولت أن أمسك يدها كما فعلت البارحة،

فامتنعت في رقة وتعللت: "أبلة تهاني تشوفنا وتجري ورانا بالعصاية في الحوش"، ضحكنا. وأضافت: "بابا امبارح شافك وانت ماسك إيدي فقلت له كنت باساعده بعد الحادثة وما كانش مصدقني". "حادثة" قلت متعجباً، وارتفع صوتنا بالضحك، ثم سألتها "طيب مش مصدقك ليه؟!"، نظرت إليَّ في ذكاء وتدلل واكتفت بتحديقة غرامية نافذة ثم دق جرس انتهاء الفسحة بينما عصا الأبلة تهاني تلمع من بعيد وتتحرك كسيفٍ عنتري، "نكمل بكره بقى" اختتمت كلامها ثم جرت لفصلها في خفة ومرح كراقصات الباليه بينما تسمرت مكاني حتى انخلعت منه عقب طرقة عصا على مؤخرتي.

تقابلنا كثيراً في الأيام اللاحقة، وتغيرت أشياء وأشياء، مثلاً تركت دروس التقوية في أحد المراكز وذهبت إلى المركز الذي تتعلم فيه كي أحظى بمزيد من التواصل والقرب، أخبرتني بالأيام التي يذهب فيها أبوها جذع البيت إلى عمله عصراً كي أمر بالدرَّاجة على بيتها ثم نلتقي في الحقل المجاور لهم على النيل عند حوض الري، لم أقل لها مرة "بحبك"، ولم أسمع منها تلك الكلمة، لكن ما بيننا كان أصدق من كل ما قد قيل في الغزل والحب، هكذا نشعر ونفرح بالحياة ونحن معاً ونضحك من أعماق قلوبنا على أبسط المواقف.

قررت أخيراً بعد دراستي في مادة اللغة العربية لقصيدة غزلية أن أكتب لها جواباً، ويا ليتني ما كتبته؛ إذ صرت من بعده أضحوكة المدرسة وفريسة الأبلة تهاني، ترقبت وقت انشغال التلاميذ في الفسحة خارج الفصول، فتحت شنطتها ووضعته، قبل انتهاء اليوم الدراسي استدعاني مدير المدرسة واتهمني "أنت بتسرق الساندويتشات والأقلام من شنط الأولاد في الفسحة"، رآني بالتأكيد أحدهم أفتح شنطتها في غيابها كاللصوص -لأن الحب أعمى- فأساء الظن ووشى بي، لو أخبرته بالحقيقة قد أتسبب في مشكلة للفتاة ولنفسي! ولو سكت لصرت هذا اللص المظلوم! خياران أقسى من بعضهما، وتحت تأثير العصا والتوبيخ اعترفت، أحضروا شنطة الفتاة ليجدوا قصيدة الغزل في قصاصة ورق، قرأها مدير المدرسة بصوته الأجش:

بحبك يا آلاء
يا أحلى نجمة في السماء
طيري طيري يا أمورة
مين زيك حلوة صغيورة؟!
محمد

انفرط الجميع في الضحك، ووبَّخني المدير، ثم باقي الأساتذة، وانهالت عليَّ عصا الأبلة تهاني وكأنها لا تصدق الفرصة، سخروا مني جميعاً واتهموني بالحب، وقيل في حقي الكثير: "بتاع بنات.. روميو الصغير، صايع، ما اترباش، نستدعي ولي أمره، الحبّيب.. إلخ". وبالفعل استدعوا ماما فوبَّختني أيضاً، وعندما استدعوا آلاء، بكيتْ لما رأته من إهانات متكررة وتلميحات وغدة. الحب في مجتمعنا آفة يا سادة، وجريمة نعاقب عليها غالباً، حتى الأصدق منه والأطهر في سنوات الطفولة، عقوبته مغلظة.

أصبحت علاقتي بالفتاة هشة بعد هذا الموقف، تتلاقي وجوهنا قدراً، وتتنافر غصباً خشية العقوبة، احتفظت في عامي الأخير وقبل التحاقي بالإعدادية في مدرسة أخرى بعيدة قرب المدينة بخصلة من شعرها سرقتها خلسة حين تكدس التلاميذ أثناء الانصراف. مرت أيام وشهور، ابتعدنا كثيراً.

الثانوية على الأبواب وهي في الإعدادية، ابتعدنا أكثر، بلغت سن المراهقة فابتعدتُ كلية، وهناك علاقات كثيرة مع فتيات أخريات، مراهقات، للتسلية واكتشاف التغيرات الفسيولوجية الطارئة، نسيت ظاهرياً هذا الحب الأول البريء، وإن كان محفوراً في الباطن ومبروزاً كلوحة نادرة غاية في الصدق والعفوية، وفي مرحلة الجامعة ابتعدت نهائياً وأخذتني المدينة وحسناواتها. في تلك الفترة كتبت القصة والشعر أكثر نضجاً وموهبة وحزت جوائز كثيرة على مستوى الجامعات. اختفت البنت في الوعي تماماً، بعيداً عما أستحضره دوما ويسيطر عليّ، لكنني انفجرت فجأة لأكتب عن آلاء الطفلة وأول الحب حينما مررت صدفة بعد انقطاع سنوات في المدينة على بيتها القروي، جذع الجميزة لم يتغير من مكانه ولا في هيئته كما تغيرنا، لكنه لم يعد مورقاً ومثمراً في أعلاه كما كان من قبل، الفتاة ليست في بلكونتها تذاكر، ثمة طفل يبكي بداخلها وينادي "ماما"، ظهرت سيدة مترهلة بكعكة كبيرة وخدين أقل احمراراً وعيون رمادية باهتة تلبس عباءة بيتية مزركشة وتصيح بصوت لم يعد طفولياً رنان: "آه منك يا مودي.. مش هتبطل شقاوة أبداً"، بالتأكيد هي،

تحسست خصلة شعرها في ذاكرتي بعدما افتقدت مكانها مع تقلبات الأيام وتقلباتنا، تذكرت الخطاب والمحكمة والحكم المغلظ، سخرية مدير المدرسة وعصا أبلة تهاني وتوبيخ والدتي وصورتي الرومانسوبهلوانية بين التلاميذ، لم أكن في حاجة الآن لأصطدم بالجذع مرة أخرى؛ كي تنهض هي وتترك طفلها لمساعدتي ثم تصطدم في العودة مرتبكة بجذع البيت، أبوها الذي مات من أعوام - سبيل ماء صدقة جارية باسمه قرب الجميزة - كما تموت الكثير من العلاقات البريئة بيننا وتدفن، ورأتني هي الأخرى، فتجمدت في مكانها ويدها تلتقط صورة قديمة لها في برواز بلاستيكي قد كسره الطفل، صورتها في تلك المرحلة الابتدائية أثناء رحلة مدرسية لمدينة الإسكندرية، خلفها قلعة قيتباي وهي بدريل أحمر فتان وشعر يتطاير في الهواء العنيف، لقطة آلمتني وجددت عليَّ الذكريات، "أنت أحلى من كليوباترا يا آلاء، دلوقتي نكبر ونتجوز.."، فيا ليت طفلها الشقي مودي أو محمد قد مزقها هي الأخرى كالبرواز، حتى لا يتبقى أبداً مجال للذكرى والألم والحنين ولو في صورة طفولية قديمة وطموح ساذج لم يعد له مكان في الواقع!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.