المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

هل نقتلهم باسم الله؟"7" | حرمة دماء غير المسلمين

تم النشر: تم التحديث:

مما يؤسف له: ما يقوم به بعض المسلمين ممن لم يفهموا الإسلام فهماً صحيحاً، من اعتداء على الدماء، أو الأعراض، أو الأموال: سواء بالسرقة، أو الخداع، أو أخذ بدل البطالة دون استحقاق، مدعياً أن هذا مال غير مسلمين ولا حرمة فيه، أو أنه في بلاد غربية تظلم المسلمين، فكل هذا مما يحرمه ويجرمه الإسلام؛ لأنه لون من أكل أموال الناس بالباطل، واعتداء على الحرمات التي أمر الإسلام بصيانتها والحفاظ عليها.

إن دخول المسلم في بلاد غير المسلمين، سواء بتأشيرة دخول بغرض الزيارة، أو تحويلها فيما بعد لإقامة قصيرة أو دائمة، ثم حمله لجنسية البلدة التي أقام فيها فترة من الزمن حسب قوانين البلاد، هذا بمثابة عقد (الأمان) بلغة الفقه الإسلامي؛ عقده لك هؤلاء الناس؛ حيث إن من شرط حصوله على ذلك: أنه يملأ طلباً، وفيه أسئلة أمنية واضحة، هل سيدخل البلاد بنية الإرهاب أو القتل؟ ومعلوم أنه بطلبه الذي قدمه للسفارة، أو لوزارة الداخلية، أو شؤون الهجرة، أياً كان المسمى في كل دولة، فهذا عقد بينه وبينهم، بعدم إحداث أمر في بلادهم، أو قتل أحد على أراضيهم، أو ارتكاب أي مخالفة القانون، فإذا فعل ذلك كان قد اقترف محرماً حرمه الإسلام، وذلك لعدة أدلة منها:

براءة الإسلام ممن قتل آمنا:

1ـ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن من غدر بمن أعطاه الأمان، فسفك دمه: "أيُّما رجل أَمَّن رجلاً على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافراً"، وفي رواية: "فإنه يحمل لواء غَدْر يوم القيامة"، وفي رواية: "إذا اطمأن الرجل إلى الرجل؛ ثم قتله: رُفع له لواء غدر يوم القيامة".

وقد كان هذا الحديث مانعاً من قتل صحابي جليل للمختار الثقفي الكذاب، فعن رفاعة بن شداد القتباني قال: لولا كلمة سمعتها من عمرو بن الحمق الخزاعي لمشيت فيها بين رأس المختار وجسده، سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أَمَّن رجلاً على دمه فقتله: فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة".
والمختار الثقفي ادعى النبوة، وعده شراح الأحاديث من الدجالين والكذابين الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجهم.

ويقول الإمام الصنعاني: (من أمَّن رجلاً على دمه): عقد له أماناً، سواء كان ذلك المؤمِن إمامًا، أو رجلاً من أي المؤمنين، أو امرأة. (فقتله) بعد الأمان، أو على ماله فأخذه، (فأنا بريء من القاتل)؛ لأن الله أوجب الوفاء بالعهود، والأمان عقد ذمَّة (وإن كان المقتول كافراً) فإن كفره لا يبيح نقض أمانه، وهذا أمر تعداه غالب ملوك الدنيا، وكثير من أشرار الأمة).
فتأمل هنا إنكار الإمام الصنعاني على من يؤمن شخصاً ثم يقوم بالغدر به بقتله، وبيان أنه صار فعلاً يأتيه غالب ملوك الدنيا في زمانه، ووصف من يفعل ذلك من عامة الناس، بأنهم: شرار الأمة!!

منافاة الغدر للإسلام:

2ـ وجعل الرسول الكريم الغدر صفة أساسية من صفات المنافق، فقال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".

وقال عليه الصلاة والسلام من حديث ابن مسعود: "لكل غادر لواء يوم القيامة، يعرف به، يقال: هذه غدرة فلان"، ومن حديث ابن عمر: "إذا جَمَع الله الأولين والآخرين يوم القيامة: يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان".

وفي حديث أبي سعيد: "لواء عند استه"، أي خلف ظهره؛ لأن لواء العزة يرفع على الرأس أو تلقاء الوجه، فناسب أن يكون عَلَم المذلة في هذا الموضع زيادة في فضيحته، فقوبل بنقيض قصده.

وأوجب الإسلام على المؤمنين أن يحترموا عهودهم واتفاقاتهم مع الآخرين في السلم وفي الحرب على السواء، وكان من وصاياه صلى الله عليه وسلم لقادة الجيوش وأمراء السرايا: "لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا".

ولما وقع عمرو بن أمية الضمري -رضي الله عنه- أسيراً في بئر معونة، وعلم عامر بن الطفيل أنه من مضر أطلقه، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه، فلما خرج عمرو قاصداً المدينة نزل في طريقه في ظلل والتقى برجلين من بني عامر، وكان معهم عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما، حتى ناما، عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله، فأخبره الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد قتلت قتيلين لأدينَّهما".

وهذا موقف رفيع فقد ودى صلى الله عليه وسلم ذينك الرجلين العامريين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري؛ لكونهما يحملان عقداً منه صلى الله عليه وسلم، ولم يؤاخذهما بما فعل بعض أفراد قومهما، وهذا يمثل منتهى القمة في الوفاء بالعهود.

وقد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتبر عمل عمرو بن أمية جزءاً من الانتقام الذي ينبغي أن يواجه به المجرمون المعتدون، ولكن ما ذنب الأبرياء حتى يؤخذوا بجريرة المعتدين من قومهم؟.

إن التوجيهات الإسلامية الرفيعة دفعت بالمسلمين ونبيهم -صلى الله عليه وسلم- إلى الرقي الأخلاقي الذي لا نظير له في دنيا الناس.

ويكفينا في ذلك استدلالاً على أخلاق المسلم مع غير المسلمين في بلادهم، حتى وإن كانوا أهل ظلم وغدر له، أن يكون منه الوفاء والخلق، موقف خبيب بن عدي رضي الله عنه، وقد كان ممن أُسِرُوا في فاجعة بئر الرجيع، فاشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل، ليقتلوه بالحارث الذي قتله خبيب يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً، حتى إذا أجمعوا قتله استعار مُوسَى (آلة حلاقة) من بعض بنات الحارث ليستحدَّ بها، فأعارته، وغفلت عن صبي لها، فدرج فجلس على فخذه، تقول المرأة: ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي لئلا يقتله انتقاماً منه، فقال خبيب رضي الله عنه: أتخشين أن أقتله؟! ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. فكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب. وكانت أخلاقه سبباً في إسلامها فيما بعد.

إنه موقف رائع يدل على سمو الروح، وصفاء النفس، والالتزام بالمنهج الإسلامي، فقد قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الإسراء: 15]. إنه الوفاء يتعلمه الناس ممن غدر بهم، فإن الاستقامة طبيعة سلوك المسلم في حالتَي الرخاء والشدة.

وفي قول خبيب رضي الله عنه: (ما كنت لأفعل إن شاء الله) يشير هذا الأسلوب في البيان العربي إلى أن هذا الفعل غير وارد، ولا متصوَّر، ولا هو في الحسبان، في هذا الظرف الحاسم، الذي قد يتعلق فيه الاستثناء لموقع الضرورة، وإنقاذ المُهَج، لكن المبدأ الأصلي: الوفاء، والكف عن البرآء لا تنهض له هذه الاعتبارات الموهومة، وهذا مثل من عظمة الصحابة رضي الله عنهم حين يطبقون أخلاق الإسلام على أنفسهم مع أعدائهم -وإن كانوا قد ظلموهم- وهذا دليل على وعيهم، وكمال إيمانهم.

وكذلك موقفه عندما طلب منهم أن يتركوا له فرصة أن يصلي ركعتين، فلم يُطل فيهما مخافة أن يظنوا أنه يخشى الموت، فهنا راعى خبيب صورته كمسلم أمام غير المسلمين، وألا تكون صورة سلبية، تختزن في أذهانهم، بل كان موقفه مدعاة لتعجب المشركين، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً!

هوامش

- رواه ابن حبان (5982) عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه، وحسن إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (11028).
- رواه ابن ماجه (2688) عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه.
رواه الحاكم (8040) (4/353) وصححه ووافقه الذهبي، والنسائي في الكبرى (8688) (8/78) عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (357).
- رواه أحمد (5/223، 224) والخرائطي في "المكارم" (29) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (440).
- انظر: التنوير شرح الجامع الصغير للأمير الصنعاني (10/12).
- رواه البخاري (34) و(3178) ومسلم (58) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
- رواه البخاري في كتاب الجزية (3186) و(3187) ومسلم في كتاب الجهاد (1736).
- رواه البخاري في كتاب الأدب ومسلم في الجهاد (1735).
- رواه مسلم في كتاب الجهاد (1738).
- انظر: السيرة النبوية للصلابي (2/191،190).
- رواه أحمد (2/310) والبخاري (3767) وأبو داود (3112) والبيهقي في السنن الكبرى (5/262) وفي الدلائل (3/325،324) وعبد الرزاق في مصنفه (9730) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
- انظر: من معين السيرة ص 259.
- انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة ص 153.
- انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (6/38) نقلاً عن: السيرة النبوية للدكتور علي محمد الصلابي (2/167،166).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.