المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

هل نقتلهم باسم الله؟ "6" | المسلم مواطن صالح في بلاد الغرب

تم النشر: تم التحديث:

الإسلام دين مبادئ وأخلاق، ولذا فهو يخالف كثيراً مما غزا الناس في أخلاقهم، من مثل قول ميكيافيلي: (الغاية تبرر الوسيلة)، ولكن من مبادئ الإسلام: (نبل الغاية، وطهر الوسيلة)، فالغاية الشريفة لا تتخذ لتحقيقها إلا الوسيلة النظيفة.

والمسلم الذي يعيش في بلاد الغرب، يعيش فيها مواطناً صالحاً بكل معاني الصلاح التي قصدها الإسلام منه، من حيث التزامه بدينه، وخدمته للمجتمع الذي يعيش فيه، فرسالة الإنسان المسلم في الحياة أن يملأها بالخير، ويعمرها، يقول تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) [هود: 61]، فقوله: (استعمركم) يقول اللغويون: السين والتاء للطلب، أي: طلب إليكم عمارة الأرض، ويقول الزمخشري: (واستعمركم فِيها وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه).

إن المتأمل لنصوص الإسلام التي تحث المسلم على أن يكون عضواً نافعاً في مجتمعه، يراها نصوصاً عامة في أمرها له بذلك، فهي لا تشترط أن يكون هذا الخير موجهاً لأخيه المسلم، بل تأمره بفعل الخير عامة، في كل وجوه الخير والبر، يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) [الحج: 77].

ويقول صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إلى الله: أنفعهم للناس، يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه ديناً، أو يطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -مسجد المدينة- شهراً".

ويقول صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس"، ونفع الناس يكون بالإحسان إليهم، بماله وجاهه، فإنهم عباد الله، وأحبهم إليه: أنفعهم لعياله، أي: أشرفهم عنده، أكثرهم نفعاً للناس، بنعمة يسديها، أو نقمة يزويها عنهم ديناً أو دنيا، ومنافع الدين أشرف قدراً، وأبقى نفعاً، قال بعضهم: هذا يفيد أن الإمام العادل خير الناس، أي: بعد الأنبياء؛ لأن الأمور التي يعم نفعها ويعظم وقعها لا يقوم بها غيره، وبه نفع العباد والبلاد، وهو القائم بخلافة النبوة في إصلاح الخلق، ودعائهم إلى الحق، وإقامة دينهم، وتقويم أودهم، ولولاه لم يكن علم ولا عمل.

ويقول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يَأَلُف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يَأَلُف ولا يُؤْلَف، وخير الناس أنفعهم للناس".

قال الإمام الصنعاني: (المؤمن يألف) غيره، ويأنس به؛ لسلامة صدره، وحسن خلقه، وصلاح طويته، (ويؤلف) يألفه الناس لحسن حاله، وكونه لهم إلفاً، (ولا خير فيمن لا يألف) فإنه لسوء خليقته، وقبيح طريقته، وخبث طويته، إلا أن يتركهم إيثاراً لتقواه، وانفراداً بطاعة مولاة، وتبعيداً لشره عنهم، (ولا يؤلف)؛ لأنه لا يترك الناس ألفته، إلا لقبح حاله، ولسوء خلقه، ورداءة عشرته.

وقد تجلى تطبيق مبدأ نفع المجتمع والإحسان إليه، سواء كان مجتمعاً مسلماً أم غير مسلم، في القرآن الكريم، ومنذ العهد المكي، فرأيناه يحث المسلم على التصدق من ماله على غير المسلم، وأن يعطيه من النذور والكفارات، يقول تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) [الإنسان: 8]، والآية مكية، وقد كان الأسرى حينئذ من أهل الشرك، فلم يكن المسلم يستأسر. وقال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك.

بل رأينا من أئمة التابعين من أعطى الرُّهبان من صدقة الفطر، على ما تمثله صدقة الفطر من أهمية كبرى عند المسلم من عدة جهات، أولاً: فهي مرتبطة بفريضتين هامتين في الإسلام: الزكاة والصوم، فهي مقرونة بشهر رمضان، وهي مطهرة للصائم من اللغو والرفث.

ثانياً: أن زكاة المال يجمعها الحاكم أو الدولة لتوزعها على الفقراء، أما صدقة الفطر فالمستحب أن يوزعها المسلم بنفسه. ثالثاً: أن زكاة المال تجب على من ملك نصاب الزكاة وهو مبلغ قلما توفر مع صدقة الفطر، فهي تجب على من يملك قوت يوم وليلة العيد، ومعنى هذا أن عدد معطي زكاة الفطر أكبر من زكاة المال.

فقه ابن تيمية للمواطنة:

ورأينا فقيهاً إسلامياً روَّج العلمانيون ضده شائعات أنه ضد التسامح مع غير المسلمين، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية، نراه يضرب أروع مثل لتطبيق مبدأ المواطنة، والحفاظ على إخوة الوطن الواحد، لا فرق فيه بين مسلم وغير مسلم، وذلك عندما أُسر عدد من المسلمين وغير المسلمين عند ملك التتار، فكتب رسالة لملك قبرص يشرح له موقفاً حدث له مع ملك التتار عندما أسر عنده مجموعة من أبناء الوطن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية لملك قبرص المسيحي: (نحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة؛ أعظم ما عُبد الله به: نصيحة خلقه... وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم (غازان) فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون، فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذِمَّتنا، فإنا نفتكهم، ولا ندع أسيراً من أهل المِلَّة ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا إحساننا، والجزاء عند الله).

إعطاء النموذج الحسن للمسلم:

ومن أولى واجبات المسلم في هذه البلاد الغربية: ألا يكون سبباً في تشويه صورة دينه، وكفى الإسلام ما يشاع عنه زوراً عن طريق وسائل الإعلام التي لا تكف ليل نهار عن نقل صور مشوهة عن المسلمين، وإلصاق ذلك بالإسلام، فلا يجوز للمسلم الاعتداء على الأموال، أو الأنفس، أو الممتلكات، ولا أن يستحل مالاً يحرم عليه شرعاً، أو أن يخدع الناس في تعاملاتهم، فالمسلم ظاهره كباطنه، لا يتعامل مع الناس بوجهين؛ وجه يظهر الحسن والوداعة، بينما يخفي البغض والغدر.

ورضي الله عن صهيب الرومي الذي أوقفه المشركون؛ وقد خرج للهجرة ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقالوا له: إلى أين تذهب يا صهيب؟ قال: أهاجر إلى المدينة، فقالوا: جئتنا صعلوكاً لا تملك شيئاً، وساوموه على ماله، وكان يستطيع أن يكذب، وقد رخَّص له الشرع هنا الكذب على الأعداء، ولكنه وازن بين مصلحته الشخصية وصورة المسلم الذي ستترك في أذهان غير المسلمين، فدلهم على موضع ماله، ووجدوا المال في نفس المكان الذي حدده لهم، فكان تعقيب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله: "ربح البيع أبا يحيى".

مصادر

انظر: الكشاف للزمخشري (2/407).

رواه الطبراني في الصغير (861) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وصحح إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (906) وصحيح الترغيب والترهيب (2623)
رواه القضاعي في مسند الشهاب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3289).
انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (3/481).
رواه القضاعي في مسند الشهاب (129) (1/109) وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (6662) والسلسلة الصحيحة (426).
انظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (10/451،450).
انظر: فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي (2/710).
انظر: لطائف الإشارات للقشيري (3/663).
انظر: الكشاف للزمخشري (4/668) والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (5/410).
انظر: المصدر السابق.
الرسالة القبرصية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص22. نقلاً عن: ابن تيمية للعلامة الشيخ محمد أبي زهرة ص384.
رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (3/398)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (3/209).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.