المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

هل مَن يحب السيسي سيُحشر معه؟

تم النشر: تم التحديث:

في محاضرة في جامعة القاهرة، بحضور رئيس الجامعة، حاضر الأستاذ ثروت الخرباوي المحامي عن تفكيك الإرهاب، وقد تعرض الخرباوي كعادته للإخوان، وتعرض لقضية حب السيسي والموقف الديني منه، وقد سألني أحد الشباب الحاضرين للمحاضرة عن كلام ساقه الخرباوي قال فيه: (الإخوان بيقولوا دائمًا: يحشر المرء مع من أحب، وأنا بحب السيسي وربنا يحشرني معاه، والرسول كان بيحب عمه أبو طالب وكان مشركا معنى كده إنه هيتحشر معاه؟ هم بعقيدتهم التكفيرية يحكمون على البشر حتى بمجرد الحب، وحديث: يحشر المرء مع من أحب، حديث ضعيف). وقد سألني الشاب عن رأيي فيما قاله، وهل كلامه صحيح دينيا؟

أما من حيث صحة الحديث، فالحديث ضعيف بهذه الصيغة: "يحشر المرء مع من أحب"، لكنه ورد بصيغ أخرى صحيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" وهو في صحيحي البخاري ومسلم، وحديث: "ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم"، وقد صححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

وأما قضية حب شخص ما هل تقتضي حشرك معه؟ فهناك فرق بين حبين، حب القرابة وصلة الرحم، فهذا حب عاطفة، ينشأ عن حق أصيل قرره الإسلام، وغرسه الله في نفس كل مخلوق، فقد أمر الله المسلم ببر أبويه ولو كانا كافرين، وقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتّبِعني أهدك صراطا سويا) وقال نوح عليه السلام لابنه: (يا بني اركب معنا)، فكون حب النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب فهو عم له حق القرابة، الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: "عم الرجل صنو أبيه" أي مثل أبيه، وله من الحقوق ما للأب، من حيث البر والصلة، والحرص على هدايته إن كان كافرا، فهذا حب عاطفة وقرابة. وليس معنى ذلك أنه يحشر معه، كما قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) فهل معنى ذلك أن كل معبود في النار مع من يعبدونه؟ وما موقف نبي الله عيسى، وعزير، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه عند من عبدوه هل هم في النار معهم؟ إن المقصود هنا من رضي بعبادته، وقبل كذلك، ودعا الناس لعبادته من دون الله كفرعون وغيره، فهؤلاء ومن عبدوهم في النار.

أما الحب الآخر، وهو موضوع الحديث، فهو حب الاتباع والتأييد، أي: تحب إنسانا فتتبعه، وتؤيد ما يفعله، وتقر بما يقوم به، من إجرام، ومعاصي، فهذا النوع من الحب أنت شريك معه في جرمه ومعصيته، فمن يحب القاتل أو الزاني، لقتله وزناه، فهو شريك له في جريمته من حيث الوزر، ولا يقام عليه الحد مثل المجرم، لكنه يتساوى معه في الجرم والعقاب الأخروي عند الله. يقول الإمام الصنعاني تعليقا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها": (ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها) أي حضرها وشاهدها غير منكر لها ولا كاره، أي يكون برضاه بها، ومحبته في الإثم والذنب مثلاً لهم، لأن الرضى بالقبيح قبيح، وفيه دليل أن أعمال القلوب كأعمال الجوارح في الإثم وعدمه). انظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (2/150).

فما بالك إذا لم يكن مجرد الحب، بل التبرير والدفاع، والتحريض كالخرباوي وأمثاله من الإعلاميين السيساوية، وموقف الإسلام من التحريض: أن كل جريمة تمت بتحريض لا تتم إلا به، حيث يهيئ التحريض النفسية المستريحة للقاتل، كوعاظ الجيش الذين يبررون لهم القتل، أو المفتي الذي يفتي بحل دماء الشعب، أو الإعلامي الذي يدعو لذلك، فهذا حكمه في الإسلام أنه قاتل، عقوبته مثل عقوبة القاتل المباشر. يقول تعالى عن قصة نبي الله صالح عليه السلام وموقف قومه، فقد طلبوا من أحدهم أن يقتل الناقة، فقال تعالى: (إذ انبعث أشقاها) أي خرج لقتلها فرد واحد، ولكن عند الحديث عن الجريمة قال تعالى: (فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها)، لأن من قتل الناقة فرد، لكن من حرضه، وأحب ذلك، وأيده، اعتبره القرآن الكريم شريكا في الجريمة، فجاء الكلام بصيغة الجمع: (فعقروها) و(بذنبهم).

فمن أحب مجرما وأيد إجرامه، وشجعه على هذا الإجرام، فهو محشور معه، كما وردت بذلك النصوص، أما مصيره بعد حشره فهذا علمه عند الله عز وجل، لكنه محاسب بلا شك عما فعل من تأييد للحرام، أو تشجيع له، كما قال تعالى: (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).

- تم نشر هذه التدوينة في موقع عربي21

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.