المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

الاحتفال بالحرام على الشبكات الاجتماعية.. عن حرمة دماء الدبلوماسيين في الإسلام

تم النشر: تم التحديث:

ظننت أن واقعة قتل السفير الروسي في تركيا، على يد أحد الأشخاص، والذي كبر بعد قتله، ظننتها لا تحتاج لبيان موقف الشرع، لأنها واضحة، فالشرع يحرمها تحريما شديدا، لما يعلمه الجميع من حرمة دماء الدبلوماسيين في بلاد المسلمين، ولكن ردود الأفعال التي على صفحات التواصل الاجتماعي جعلتني أتعجب من مواقف وتعبيرات لأشخاص، تتجه نحو الإشادة بالفعل، والهجوم على من يحرمه شرعا، مما اضطرني لبيان حكم الشرع الإسلامي فيها، مدعما ذلك بالنصوص الشرعية، وأقوال الفقهاء التي لا تختلف في هذه المسألة، ولا أدري من أقر بهذا العمل المحرم شرعا، من أين جاء بتبرير شرعي له؟!

يحترم الإسلام الدماء، ويعنى عناية كبيرة بصيانتها، والتحرز من سفكها، بل ويشدد في ذلك أيما تشديد، وبخاصة فيمن يكون ضيفا على بلاد المسلمين، أتى لزيارتها لتجارة أو عمل، أو أتاها سائحا يشاهد آثارها، ويتأمل في عادات أهلها، أو جاءها في بعثة دبلوماسية لعمل في سفارة بلده في بلاد المسلمين.

وقد حاول البعض التنظير للموضوع من باب أنهم يعاملون معاملة الرسل الذين يأتون برسائل، وهم محميون ولا يجوز قتلهم، وهو تكييف فقهي غير صحيح، فالرسل تنطبق عليهم حاليا، أي مبعوث سواء للأمم المتحدة، أو منظمة دولية، أو مسؤول في دولة أجنبية ولو كانت محاربة يدخل دولة مسلمة، فهذا لا يمس ودمه وماله وعرضه مصون تماما، وهو ما قال فيه صلى الله عليه وسلم لرسل مسيلمة الكذاب: لولا أن الرسل لا تقتل، لأمرت بقتلكما، أخذ الفقهاء منه: حرمة قتل الرسل. ولكن البعثات الدبلوماسية، أو التجارية أو أي بعثات من دولة أجنبية ولو كانت محاربة، تأخذ حكم (المستأمن) في الفقه الإسلامي، أي الشخص الذي أعطي الأمان ليدخل بلاد المسلمين، وصيغ الأمان قديما كانت شفوية أو كتابية، وحديثا تعتبر مكانها: الفيزا التي تمنح للشخص لدخول بلد ما، أو الاتفاق الدبلوماسي بين البلاد، هذا في الإسلام يسمى عقد (أمان) فهؤلاء يجب أن يحترم أمانهم، ولا تخفر ذمتهم، ولا يعتدى عليهم في نفس ولا مال، ولو كان الذي أعطاهم الأمان عبد من المسلمين، يقول صلى الله عليه وسلم: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم" ويقول: "ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

وقد لخص الإمام ابن قدامة المقدسي هذا العقد وحقه، في كلمات موجزة فقال: (الأمان إذا أعطي أهل الحرب: حَرُم قتلهم، ومالهم، والتعرض لهم. ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا. وبهذا قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن القاسم، وأكثر أهل العلم. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه)، وهو ما قالت به المذاهب الأربعة بتفاصيل ليس مجالها هنا.

وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز. وعن أم هانئ، أنها قالت: يا رسول الله، إني أجرت أحمائي، وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي (تعني: عليا) أراد قتلهم! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، إنما يجير على المسلمين أدناهم". وأجارت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا هو موقف الإسلام واضحا من نصوصه التشريعية، ومن تطبيقات الفقهاء، فحق إعطاء الأمان تعطيه الدولة، ويعطيه الأفراد فيه، للمحارب الذي يدخل بلاد المسلمين، فإن كنا نرفض وجوده، فيطرد من البلد بالطرق الرسمية المعتمدة كسحب السفراء، أو طرد السفير، أو الدبلوماسيين وقطع العلاقات، لكن لا يجوز بحال من الأحوال قتله، وقد أعطيناه الأمان لدخول بلادنا.

تعلل البعض بأن تركيا دولة علمانية وليست دولة إسلامية، ويقاس عليها معظم الدول العربية، وهذا كلام لا ينطلق من صواب، فالحكم الشرعي هنا لمن أخذ حق الأمان، أعطاه له إما حاكم مسلم، أو سفارة تتبع الدولة، وهذا الحق كما بينت من قبل أعطاه الإسلام للأفراد، فكيف نعطي للفرد حق أن يؤمن من يشاء وينزع من حاكم أو حكومة، وإن لم تكن الدولة معلنة أنها إسلامية؟!! كما أن المواطن المسلم عاش في هذه البلاد وفق قانون أعلن احترامه له، فإذا لم يعجبه قانون البلاد فعليه السعي لتغييره بكل طريقة شرعت لتغيير القوانين، من خلال العمل الحزبي والسياسي، والترشح لذلك، ونيل أغلبية تمكنه من التغيير، أما أن ينتقي من قوانين بلده ما يحب يعمل به، وما يرفض يخرق القانون فيه، فليس مقبولا، ومعنى ذلك أن تتحول الدول إلى فوضى، وهو ما لم يقر به أحد، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات واتفاقات اشتملت على ظلم له وللمسلمين، وذلك في صلح الحديبية، واحترمها ونفذها، حتى خرقها خصومه، وكان بعدها فتح مكة، فالشاهد هنا: هو احترام المعاهدات الدولية الموقع عليها، حتى يسعى من لا يقبل بها لتغييرها بوسائل التغيير المتاحة.

أخيرا: علينا أن نفرق بين مواقف الدول والأنظمة وظلمها للمسلمين، وما يجري في أرض سوريا الحبيبة، وفي القلب منها حلب، التي جرى فيها أبشع المجازر، وتهجير أهلها، فهذا ظلم لا يقبل به إنسان عنده مسكة من عقل، أو ضمير، لكن ليس معنى ذلك أن نتجاوز الشرع لعلة أن خصمنا يتجاوزه، روسيا وإيران وحزب الله، أجرموا في سوريا بلا شك، لكن ميدان الحرب والنضال هو مكان المعركة، مع العسكريين في ساحة الحرب، وليس مع المدنيين، أو من أعطيناهم حق الأمان في بلادنا.

والعجيب أن عددا ممن أيد قتل السفير الروسي في تركيا، يسكن في بلاد ساعدت الانقلاب المصري، والانقلاب التركي، سواء كانت بلادا عربية أو أوروبية، ومع ذلك لم يقدم هذا المؤيد على أي فعل نحو سفارات هذه الدول في البلاد التي يقيم فيها، فكيف إذن يؤيد هذا الفعل في تركيا؟!! أليس هذا تناقضا صارخا؟! ونحن نحرم بلا شك أي عمل ضد هذه السفارات، فالحق واحد لا يتجزأ، ولا يتناقض في المواقف، رغم علمي بما يجر مثل هذه المواقف من سخط البعض، وهجوم الآخر، ولكن حسبي أن رضا الله وحده أردت، لا رضا الناس.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.