المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

مئوية الشيخ محمد الغزالي

تم النشر: تم التحديث:

احتُفلَ منذ قرابة أسبوع عدد من الفكرين والعلماء بمئوية العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، والغزالي قامة فكرية وعلمية كبيرة، ينبغي لطلبة العلم وأهله والأمة الإسلامية أن تستلهم من حياة الرجل وتاريخه وعلمه دروسا مهمة لها في حياتها ودينها، ولعظم حياة الرجل، وتعدد جوانب إبداعه وفكره، يحار الكاتب عن أي شيء يتناوله في هذا العملاق، وقد صدق فيه قول القائل: ملأ الدنيا وشغل الناس، لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو ربانية الرجل، ورقة قلبه، وحبه لهذا الدين، فقد سئل عن أمنيته الكبيرة في الحياة، فقال: أتمنى أن ألقى الله، وأنا أتصبب عرقا لخدمة دينه.

وعندما كتب كتابه (كفاح دين) وتم التحقيق معه من النيابة العامة المصرية في عهد عبد الناصر، والكتاب تناول فيه الغزالي مأساة الإسلام والمسلمين في الحكم الناصري، وكيف تجرأ العسكر على تخريب الآثار الإسلامية، والمعالم الإسلامية، ورصد هدم 120 مسجد في القاهرة القديمة، وتحويل عدد من المساجد إلى مقالب زبالة وخرابات، في القاهرة وحدها، فاستدعي للنيابة، وقال له المحقق ناصحا: يا شيخ غزالي من يحكمون قبضتهم شديدة، ولا يرحمون أحدا، فاحذف ما في الكتاب، فقال الغزالي: لقد ذكرت الحقائق، ولم أتجن على أحد، فقال له المحقق: وهل كل حق يقال؟ أنصحك لا داعي فقد يؤدي إلى الأمر إلى سجنك، فقال الغزالي كلمته التي تحفظ: بئست الحياة، أن نبقى، ويفنى الإسلام!!

وعندما فُصل من جماعة الإخوان المسلمين، ودخل الإخوان السجون في عهد عبد الناصر، حاول النظام الناصري أن يستخدم الغزالي والخلاف بينهم، ليكون قلما ضدهم، فأبى، في موقفين تاريخيين يحسبان للرجل، ويدل على قوة خلقه ودينه رحمه الله، فقد دخل الشهيد سيد قطب السجن، وكان قد بدأ كتابة (في ظلال القرآن) وقد صدر منه عدة أجزاء تجاوز نصف القرآن الكريم، ولما دخل ظل سنوات لا يكتب، ثم تمكن من الكتابة بعد رفع مكتبة الحلبي دعوة، وحكمت المحكمة بتمكين سيد قطب من الكتابة في السجن، ولكن لا ينشر ما يكتبه إلا بعد مروره على مراقب ديني، وعينت الدولة الغزالي مراقبا على الظلال، يقر ما يشاء، ويحذف ما يشاء، معتقدين أن الخلاف بينهما في الإخوان سيكون سببا لتغير الغزالي، أو انتقامه من قطب، فنشر كل ما كتبه سيد قطب، ولم يحذف سوى فقرة واحدة من تفسيره لسورة البروج، تكلم فيها عن التعذيب الذي تعرض له، وبرر ذلك الغزالي بأن تعذيب قطب أمر شخصي، لا علاقة له بالتفسير، وسيمنع الخير الذي في الظلال، فالتضحية بصفحتين أو ثلاث في موقف شخصي، مع نشر الظلال، خير من أن يمنع كله لهذه الصفحات القليلة، وهذا يدل على سمو أخلاق الغزالي، وتقديمه مصلحة النفع والثقافة الإسلامية على الخلاف الشخصي.

وعندما أمر عبد الناصر بضربة أخرى للإخوان سنة 1965م، يقول الشيخ الغزالي: تم استدعائي من المخابرات، فذهبت فصحبوني للإذاعة فدخلت فوجدت أناسا من قدامى الإخوان، يسبون في الإخوان في مواد مسجلة، فرأوني ضقت وتضجرت، فجعلوني آخر المتحدثين، ثم قالوا لي: المطلوب منك ذكر مساوئ الإخوان، فقال الغزالي: هناك عشرات الموضوعات أستطيع الحديث عنها في الإسلام، تفيد الناس، غير ما تطلبون. فقالوا: لكننا لا نطلب إلا الحديث عن الإخوان وذمهم، فرفض. فقالوا له: لكنهم فصلوك وهاجموك. فقال الغزالي: إنهم في السجون وليسوا أحرارا كي أنقدهم، وإذا استقووا علي في وقت ضعفي فلن أستقوي عليهم في وقت ضعفهم. ليس من خُلُقي أن أُجهز على جريح. وما هي إلا دقائق وألقي بالغزالي في السجن، جراء رفضه أن يشتم ويذم من فصلوه.

تلك كانت مزية كبرى في الغزالي رحمه الله، فقد كان عملاقا في علمه، وعملاقا في خلقه، وعملاقا في ربانيته، رحمه الله فقد كان نموذجا لصاحب الخلق في الخلاف العلمي والدعوي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.