المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

رفقا بمن خلعن الحجاب

تم النشر: تم التحديث:

لوحظ في الآونة الأخيرة خلع بعض النساء المحجبات للحجاب، أي الخمار (غطاء الرأس)، وهي حالات لها ظروفها وملابساتها، التي ليس هناك مجال للحديث عنها بإسهاب الآن، ولكن ما يهمني الحديث عنه هنا هو ردود أفعال من حولهن، من أصدقاء ومعارف وأقارب، ودوائر محيطة، من حيث نظرتهم لمن قمن بخلع حجابهن، وهي تتفاوت شدة أو رفقا، إحسانا أو إساءة، حسب فهم من يتعامل معهن بناء على فهمه لدينه. ولست أقلل من أهمية الحجاب، فهو واجب شرعي، ولكن هل كل من يقصر في واجب نقوم بمقاطعته، أو الإساءة إليه؟

إن خلع الحجاب معصية، يصنف في باب معاصي الجوارح، وما ينبغي أن نتجه إليه بالعلاج والاهتمام هي معاصي القلوب، أكثر من الاهتمام بمعاصي الجوارح، ليس استهانة بمعاصي الجوارح، ولكن لأن معاصي القلوب أشد وأخطر، وأن نتعامل مع أرباب المعاصي بوجه عام برفق، وبخاصة معاصي الجوارح، من خلع الحجاب، أو التدخين، أو غيرهما، وهذا هو سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. فعندما أتي برجل يشرب الخمر، وبعد عقابه، قال أحد الصحابة: أخزاه الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم"، ولعنه آخر، فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله".

وكان على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل من أهل الشام، ذا بأس، وكان يوفد على عمر لبأسه، افتقده عمر فسأل عنه فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فدعا كاتبه فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو (غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير) غافر: 3، ثم دعا وأمن من عنده، ودعا له أن يقبل الله بقلبه، وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول: (غافر الذنب)، قد وعدني الله أن يغفر لي، و(قابل التوب شديد العقاب) قد حذرني الله عقابه، (ذي الطول) والطول الخير الكثير، (لا إله إلا هو إليه المصير)، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه، ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا عونا للشيطان عليه.

وهذا علامة عصره في الدعوة والفكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، يحكي موقفا من هذا الجانب، فيقول: (دخلت مكتبي فتاة لم يعجبني زيها أول ما رأيتها، غير أني لمحت في عينها حزنا وحيرة يستدعيان الرفق بها، وجلست تبثني شكواها وهمومها متوقعة عندي الخير! واستمعت طويلا، وعرفت أنها فتاة عربية تلقت تعليمها في فرنسا، لا تكاد تعرف عن الإسلام شيئا، فشرعت أشرح حقائق، وأرد شبهات، وأجيب عن أسئلة، وأفند أكاذيب المبشرين والمستشرقين حتى بلغت مرادي أو كدت! ولم يفتني في أثناء الحديث أن أصف الحضارة الحديثة بأنها تعرض المرأة لحما يغري العيون الجائعة، وأنها لا تعرف ما في جو الأسرة من عفاف وجمال وسكينة، واستأذنت الفتاة طالبة أن آذن لها بالعودة، فأذنت.

ودخل بعدها شاب عليه سمات التدين يقول بشدة: ما جاء بهذه الخبيثة إلى هنا؟ فأجبت: الطبيب يستقبل المرضى قبل الأصحاء، ذلك عمله!! قال: طبعا نصحتها بالحجاب! قلت: الأمر أكبر من ذلك، هناك المهاد الذي لا بد منه، هناك الإيمان بالله، واليوم الآخر، والسمع والطاعة لما تنزل به الوحي في الكتاب والسنة، والأركان التي لا يوجد الإسلام إلا بها في مجالات العبادات والأخلاق. فقاطعني قائلا: ذلك كله لا يمنع أمرها بالحجاب! قلت في هدوء: ما يسرني أن تجيء في ملابس راهبة، وفؤادها خال من الله الواحد، وحياتها لا تعرف الركوع والسجود، إنني علمتها الأسس التي تجعلها من تلقاء نفسها تؤثر الاحتشام على التبرج. فحاول مقاطعتي مرة أخرى فقلت له بصرامة: أنا لا أحسن جر الإسلام من ذيله كما تفعلون.

وجاءتني الفتاة بعد أسبوعين في ملابس أفضل، وكانت تغطي رأسها بخمار خفيف، واستأنفت أسئلتها. واستأنفت شروحي، لكن الفتاة قالت: إنها تكره رجال الدين، وما تحب سماعهم! قلت: لماذا؟ قالت: قساة القلوب، غلاظ الأكباد!! إنهم يعاملوننا بصلف واحتقار! فهل يتعلم الدعاة من نبيهم فيؤلفون بدلا من أن يفرقوا، ويبشرون بدلا من أن ينفروا.

فرفقا بمن خلعن الحجاب، لا شدة وتغليظا، وابحثوا عن أسباب ذلك، فإن كان سببا فكريا فعالجوه، وإن كانت أسبابا أخرى فابحثوا عنها، كل ذلك في سلوك لطيف يحفظ على الناس كرامتها، ولا يجرح مشاعرهم.

هذه التدوينة منشورة على موقع عربي21.. للإطلاع على النسخة الأصلية إضغط هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.