المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

هل الشعب المصري جبان وتنبل؟!

تم النشر: تم التحديث:

يحلو لكثير ممن يخفق في إقناع الشعب المصري بالخروج للثورة، أن يصفه بأنه شعب سلبي، ويصفه بالبلادة الثورية، والخوف والجبن، وعدم السعي لتغيير واقعه، وهو تصور غير صحيح، سواء من حيث التاريخ، أو الواقع. فتاريخيا كثيرا ما ثار المصريون على ظالميهم، ولكن كان ذلك مرهونا دوما بقيادة شجاعة تمتلك قيادة الجماهير، ورؤية واضحة، ومنهاجا بينا لما يفعلونه، عندئذ تتشجع وتتجرأ الجماهير وتنزل، وهكذا الجماهير في كل مكان، تستطيع أن ترى ذلك منذ نبي الله موسى عليه السلام، فقد خرج بشعبه وقومه الذين عاشوا في ظل حكم فرعون سنين عددا، معيشة العبيد الأذلاء، ولكن عندما رأت هذه الجماهير قيادة واضحة خرجت معه مطالبة بتحررها.

وتاريخ مصر مليء بثورات حمراء وبيضاء، أسهب في ذكر تفاصيلها الدكتور حسين نصار في كتابه الرائع: (الثورات الشعبية في مصر الإسلامية)، مارس فيها الشعب المصري كل ألوان الثورة، من حمل السلاح، إلى العصيان المدني، والسخرية من الحاكم. فالشعب المصري ككل شعوب الدنيا يحتاج لمن يملأ عقله وأذنه وقلبه، بخطاب واضح له، يقنعه بالخروج والثورة، وهو أمر واضح لمن يدرس طبيعة الشعب المصري، ويقرأ تاريخ مصر، فأول معارضة شعبية في الإسلام كانت من الشعب المصري في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت معارضة عاقلة منصفة، خرجوا من مصر إلى المدينة المنورة ليلتقوا بخليفة المسلمين ويخبروه بمآخذهم السياسية عليه، ثم بعد ذلك تم خداعهم بمعلومات غير صحيحة بعد عودتهم، فأدى ذلك إلى مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو ما يؤكد ما نقوله أن الشعب يحتاج من يقوم بتوعيته، ويحسن مخاطبته بما يفهم، ليحزم أمره ويخرج معه.

وجاءت ثورة يناير 2011م، وخرج الشعب المصري ليقول لمبارك: ارحل، عندما وجد رموزا معارضة لمبارك تبدأ بنزول الميادين، ونزلوا بالملايين بعد ذلك في خمسة استحقاقات دستورية، عندما وجدت أملا في التغيير، ورؤية واضحة شيئا ما، لكن أن تدعو الناس للنزول وتكتفي بالكلام دون فعل أو رؤية، ستفقد هذا الشعب، أو تطالب الشعب بالتضيحة دون أن تكون في مقدمة المضحين، فهو ما يكتشفه الشعب سريعا، وهو ما قاله الرئيس أردوغان عن ليلة الانقلاب التركي، فقال: لو اختبأ الزعيم خلف حجر، سيختبئ الشعب خلف الجبال. فتقدم الرموز والقيادات يعطي الشعب أمانا لصدق ما يطلبه منهم هؤلاء.

لقد نزل الشعب المصري في 3 يوليو 2013م، ونزلوا لتفويض السيسي، وكذلك نزل الشعب مع الشرعية، الفارق هنا بين النزولين، هو صمود واستمرار نزول الشعب مع الشرعية، وانحساره عن الانقلاب، وهذا معناه نضج الشعب وفهمه، فالشعب هو هو لم يتغير، المهم من يحسن خطابه، لكن الفرق بين الفريقين في القيادات والرموز التي تدعو الشعب للنزول معه، والانضمام إليه، لقد كان السيسي والعسكر واضحا في خطابه، واضحا فيما يريد، ومنجزا فيما أراد، وإن كنا نراه أنجز في باطل وانقلاب، لكنه طلب الجماهير للنزول، ولبت الجماهير طلبه، أراد فقط لقطة يشرعن بها انقلابه، وأراد بنزولهم الاستيلاء على السلطة والحكم، وكان له ما أراد، فهو يملك أدوات ما يريد، فقط يريد نزول الجماهير كظهير شعبي.

في المقابل نزلت الملايين مع الشرعية، لكن لم يكن هناك وضوح للناس، ماذا تريد منهم لينزلوا، هل مجرد النزول؟ لو كان مجرد النزول فقد نزلوا لك بالملايين، قبل الانقلاب، ويوم فض رابعة، ويوم مسجد الفتح وكان بينهم وميدان التحرير بضعة أمتار، لكن لم تكن هناك رؤية أو قيادة واضح في رأسها ماذا تريد من هذه الجماهير، حتى فوجئ الدكتور صلاح سلطان فك الله أسره، تتقدم نحوه الحشود: ماذا نفعل يا دكتور صلاح؟ والرجل نفسه لم يخبره أحد بالمطلوب، فقد نزل كما نزلت الملايين، واستمر نزول الناس ثقة في أهل الشرعية، ثم بدأ ينحسر النزول، سواء بفعل الضربات الأمنية، أو بغيرها، لكن السبب الأكبر، هو عدم وضوح رؤية للجماهير ماذا تريد منها لتنزل؟ إلا لو كان مجرد النزول للنزول، فهي تأبى ذلك، تأبى إلا أن تنزل لمهمة واضحة محددة، وترى إنجازا لهذه المهة.

فاتهام الشعب بالخذلان للثورة، أو عدم الوعي، كلام يفتقر إلى الشجاعة والموضوعية في معرفة أخطائنا، الشعب مستعد للنزول عندما يراك تتقدم صفوفه، وتكون رؤيتك واضحة، ماذا تريد من نزوله، وما أدواتك لتحقيقها، وهو ليس أمرا صعبا، لأن الشعب جربه من قبل، وكان صادقا معك، فكن صادقا أنت كذلك وواضحا مع الشعب، فإن تصدق الشعب يصدقك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.