المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام تليمة Headshot

رجل مخابرات حاول اختراق الإخوان

تم النشر: تم التحديث:

"الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة" كتاب ألّف عن الإخوان المسلمين في مدة عشر سنوات، من العام 1940م إلى العام 1950م، ومن المهم جداً معرفة مؤلفه، وملابسات وخلفيات كتابه عن الإخوان.

مؤلف الكتاب هو جيمس هيوارث دَنْ، وهو رجل مخابرات بريطاني معروف بذكائه الشديد، واطلاعه على التراث العربي، نزل مصر سنة 1940م لدراسة الإخوان المسلمين، وكان مطلوباً منه أن يندس في جماعة الإخوان، أو يقترب منها قدر استطاعته بما ييسر له دراستها، أو اختراقها، فأعلن إسلامه وسمى نفسه "عبد الله" وتزوج بمصريتين مسلمتين، كانت زوجته الأولى ممثلة مصرية مشهورة، هي الفنانة روحية خالد التي كانت متزوجة قبله المخرج أحمد بدر خان، ثم انفصل عنها بعد ثلاثة أشهر، وتزوج مصرية مسلمة أخرى اسمها فاطمة، وأنجب منها، وانفصلت عنه بعد فترة من عودتهما لبريطانيا.

محاولة المخابرات البريطانية اختراق الإخوان:
حاول اختراق حسن البنا، لكنه تنبه إليه من أول الأمر، وكان يمرر له ما يريد تمريره، حتى إنه كتب للسفارة البريطانية أن الإخوان المسلمين لن يدخلوا الحرب ضد اليهود في سنة 1948م، وكانت صدمته حين أعلنت جماعة الإخوان جهادها في فلسطين، في تصرف يتضح منه كيف خدعه حسن البنا طوال هذه الفترة.

كما حاول اختراق سيد قطب أيضاً، لكنه سريعاً ما اكتشفه، وذلك عندما عرض عليه ترجمة كتابه: "العدالة الاجتماعية في الإسلام" مقابل عشرة آلاف دولار، وذلك في سنة 1951م، لكن سيد رفض، ويبدو أنه اشتم من العرض شيئاً غير مريح، فمبلغ ضخم في هذه الفترة ما الغرض من ورائه في ترجمة كتاب، والمبلغ المعروض كبير بالنسبة لزمانه، ولسيد قطب مواقف مع هيوارث دن، ذكرها من تعرضوا لحياته وتاريخه، ليس هنا مقام الحديث عنها.

الكتاب يتناول الإخوان في عشر سنوات، وتكوينهم، وعملهم بالسياسة، وتفوقهم على كل التوجهات الإسلامية الموجودة في هذه الفترة دعوياً وسياسياً واجتماعياً، ويبدو تحامل الكتاب في مواضع معينة، واضحة جداً، في كلامه عن الإخوان ورؤيتهم للحكم، والمجتمع، في قضايا تختلف رؤيتهم النظرية على الأقل لها عما ذكر الكاتب، وهذا ما جعل مقدم الكتاب ومعلقه الكاتب السعودي: علي العميم، أن يستدرك ذلك في مقدمته، فيقول: إن كل ما توقع أن يفعله الإخوان، فعله الحكم العسكري بعد 23 يوليو/تموز سنة 1952م لا الإخوان، على تحامل المقدم والمعلق في مقدمته الطويلة على الإخوان وسيد قطب، تحاملاً واضحاً، إلا أنه اضطر أن يكتب هذا التعليق للمقارنة بين التخيل والواقع.

رصده الدقيق للإخوان:

لقد رصد هيوارث دن أعمال الإخوان وأثرها في المجتمع المصري رصداً دقيقاً، وعن تفكير الحكومة وقتها في القضاء على الإخوان، وهل تستطيع ذلك أم لا، فقال: "تضمن عمله - أي حسن البنا - لخدمة المجتمع، تأسيس المدارس والمستشفيات، وتنظيم المعسكرات لكشافته، ومجموعات شبه العسكرية وتطوير التعاون الصناعي والاقتصادي والتجاري إلى أبعد ما يمكن في حدود القدرات المالية للحكومة، وكان يطلب من الأعضاء المشاركة حسب قدراتهم، كان هناك الكثير من التبرعات وخصوصاً في الأقاليم.

وقد أثمرت بعض المشاريع التي قام بها الإخوان أرباحاً كثيرة استخدمت في المزيد من التوسع.

كانت نتائج هذه الأعمال مهمة للمجتمع، حيث نجد وللمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث شخصاً بمفرده وذا اهتمام بالصالح العام استطاع بناء برنامج للمشاركة الإيجابية لتحسين المستويات الاجتماعية، ولم يسبق أن قام حتى واحد من أغنياء مصر بالإقدام على أي شيء مثل هذا.

استقطب حسن البنا إليه شباب البلاد الذين كانوا مهملين وضائعين وأعطاهم الكثير ليعملوه، والكثير ليفكروا به. قدم لهم أفكاراً مثالية لا ينبغي التغاضي عنها، وأعادهم إلى دينهم، وقدم لشباب بلاده، إرشاداً أخلاقياً لم يكن له وجود من قبل على الإطلاق.

إن القول بأن حسن البنا قد أحيا الإسلام وجعله قوة يحسب لها حساب هو أمر لا يمكن الشك به، ومن الصعب الاعتقاد بأن قوة كهذه يمكن التخلص منها بسهولة.

ماذا لو تسلم الإخوان السلطة؟

هذا سؤال وضعه هيوارث دن، وأجاب عنه، لكنه أجاب إجابة تتناقض مع ما كتبه في الصفحات السابقة له في عرض برنامج الإخوان، ففي الفصل الحادي عشر من الكتاب عرض المؤلف لبرنامج الإخوان المسلمين السياسي، وأن الإسلام في جوهره ديمقراطي، مشيداً باعتدال منهج الجماعة، وكذلك عرض منهجها الاجتماعي والسلوكي، والاقتصادي والتشريعي الدستوري، وموقفه من القومية وهو موقف ينسجم مع حب الوطن، دون التفريط في الواجب الديني، في صيغة وسطية جامعة، ولكنه عاد في نفس الفصل في ص: 221، وأجاب عن السؤال الذي طرحه: فيما لو تسلم الإخوان السلطة؟ فكانت إجابته متناقضة تماماً، فحسن البنا الذي منذ صفحات عرض فيها منهجه المعتدل، إذ به يعلن أن الإخوان لو حكموا سيجبرون النساء على ارتداء الحجاب، ويجبرون المجتمع على التخلي عن العادات الغربية التي غزته، وأنهم سيقومون بمنع المشروبات الكحولية، ومنع استيرادها، أو بيعها حتى لغير المسلمين، وسوف يغلقون المسارح والسينمات، وستمنع المجلات والجرائد لأنها غير إسلامية، وأنهم سيمنعون المدارس الأجنبية من العمل في مصر، وسيعملون على اعتماد اللغة العربية في كل مناشط الحياة والدولة.

بغض النظر عن تهويله في هذا الكلام في تحريفه لمنهج الإخوان، إذ إن نظرة سريعة على أعمال ومناشط الإخوان المسلمين في هذه المرحلة تثبت تعصب الكاتب، فالإخوان كان لهم مسرح، وقاموا بعمل ما يقرب من ثمانية عشر عملاً مسرحياً، كان أبطاله كبار الفنانين في مصر فيما بعد، كان على رأسهم: عبد المنعم مدبولي، وسعد أردش، وسراج منير، وغيرهم، وهو ما فصلته في كتابي: "حسن البنا وتجربة الفن".

الكتاب في مجمله تجربة لدراسة الإخوان، ولكن بعقلية رجل مخابرات جاء لدراسة الجماعة، ثم محاولة اختراقهم عن طريق اختراق قيادتها مرتين، مرة مع حسن البنا، وأخرى مع سيد قطب، وفشل في ذلك، والكتاب يعد أول دراسة لكاتب غربي يدرس الإخوان المسلمين، وإن سبقه روبير جاكسون، صاحب رسالة: "حسن البنا الرجل القرآني"، الذي تنبأ بمقتل حسن البنا، ولكنها رسالة صغيرة، بينما هذه دراسة مهمة، ونشرت سنة 1950م، وتبعه دارس آخر بكتاب أكبر وأكثر تفصيلاً، وإن اعتمد على هذه الدراسة، وهو كتاب "الإخوان المسلمون" لريتشارد ميشيل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.