المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هناء الفقير  Headshot

شكرًا لأنك مررت

تم النشر: تم التحديث:

قيل في القدم: "الضربة إللي ما بتكسر ظهرك بتقويه"

أكتب اليوم امتنانًا لتلك الضربات.. مع أنني كنت أخاف أن أقع فيها ولا أخرج منها أبدًا، أكتب عنها بعدما ألِفتها وآمنت أنها أفضل ما قد يصيبني، إن الألم يجعلنا أوثق في وجه الأشياء والأحداث، وكلما كان جرحنا أعمق كانت القوة التي سننالها لاحقًا أكبر.
اشكروا هزائمكم، ثقوا بخيباتكم، الجروح التي لا تغادرنا سريعًا أحد أكبر انتصاراتنا اللاحقة.

بعد قليل من الوقت ستكتشف أن هذه الضربة هي أفضل ما حدث لك، وأن الألم الذي ضقت ذرعًا به أضاف إليك كثيرًا من النضج، وأن العتمة التي أخافتك هي التي أنجبتك، إلى ذلك الحين عليك أن لا تنهزم أبدًا مهما كان أثر الضربة كبيرًا، ومهما كان البكاء مريحًا، ومهما وجدت السلامة في الاستسلام والراحة في الدمع، إن السير بين الخلائق بجرح مفتوح أفضل ألف مرة من الانهمار على كنبة منزلك في العتمة وبعض الموسيقى لزوم المشهد الدرامي، لست أسخر من "عيش الحزن" لكنني آمنت أن الزمن ليس كفيلًا بشفاء الجروح، وحدها الرغبة الحقيقية بذلك ستفعل.

"عَيْش الحزن"..
كثيرون أضاعوا حياتهم كاملة في متاهة الحزن؛ لأنهم لم يميزوا الفرق بين حالة الحزن وحياة الحزن، إن إعطاء الحزن حقه يلزمه الكثيرمن الصرامة مع النفس، بالأخص الحزن يلزمه إطارٌ، لأن المغالاة فيه تعطيه الشرعية بالاستحواذ على حياة الشخص كاملة، ذلك الحزن الصحي يتطلب رسم خط نهاية فور البدأ فيه.

الوقوف في وجه الجروح يتطلب وقوفًا طويلًا أمام النفس أولًا، لا تتجنب جرحك فتتجنب الحياة بذلك، كثيرون عالقون بهزائم بسيطة كان الأجدر بهم مواجهتها والانتصار عليها لكنهم فضّلوا المعاناة فيها جانبًا، على الوسادة قبل النوم، أثناء الاستحمام، لحظة الاستيقاظ، في المواصلات، هذه الأوقات التي تضع الحياة الروتينية بين قوسين وتجعلك تسمع الأصوات التي تحدثك من داخلك تكشف لك كم التفاصيل المتراكمة التي تحيلها أنت إلى الهامش، وتؤجلها إلى لاحقًا الذي لن يأتي.

حاول أن تتحسس جروحك كلها، اسمع حزنك منك، اختلِ فيه، ستجد بعدها دربه لخارجك وتدله عليه، إن هذه الدروب ستمنحك نورًا واسعًا في قلبك بعدها، يقول جلال الدين الرومي:

"لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك؟"

إذ إن الحزن -وبالذات الحزن- يحتاج إلى مهارة لإخراجه منك، حتى لا يبني بيتًا له ولأقربائه في لاوعيك، لو تصفحنا أوراق علم النفس والدراسات التي تتناول هذا الأمر، سنجد أن الكبت السلبي يؤدي إلى الكثير من الأمراض النفسية كالاكتئاب والفصام وغيرها، وقد تطال يداه -خاصة إذا كان حادًّا- الجانب العضوي من الإنسان مُحدثًا نوبة قلبية.

لأجل كل ذلك لا تحسم جرحك لصالح الحياة، واحرص على أن لا تصير همومك ثوبًا لا يفارقك، القليل من الشجاعة والإدراك سيجعل الألم أفضل ما حدث لك، القليل منها سيحول الامتحان الصعب إلى طاقة إضافية للنفس، القليل منها سيجعلك تقف أمام الحزن في نهاية الأمر وتقول:
"شكرًا لأنك مررت".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.