المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هناء الفقير  Headshot

ما جَناه الوطن

تم النشر: تم التحديث:

عِلَّة الحرب أنَّها لا تُقرَؤ ولا تُباع أو تُشترى، وإذا قامتْ فلا مردَّ لجُرحِها، مشكلة الحربِ أنّها شخصيةٌ أكثر من اللازم، تَنْفَلِتُ في تفاصيل البشَرِ وتُغيِّرُ مَْرى حياتِهم ..
صديقي المُهاجرُ عن بِلاده...
هذا النَّصُ لك وبَعدَها لِكُلِّ العالَم:

وحدك أدركت معنى أن يشق الهلع دربًا في صدرك تقتفي أثره بالسكينة علها ترده ، وحدك أدركت معنى أن يستثار الموت في عمر الرفاق وتعدّهم مغادرًا تلو الآخر دون أن تقبل جبهة واحدٍ منهم ، وحدك عرفت متى يضج فيك الحنين كأن تشتهي أن تستيقظ على صراخ والدك أو صوت غسالة أمك وكل التفاصيل التي توجب فيك الشوق للزمان والمكان الفالتين من ذاكرتك والتي لا أحد سواك يحصيها ليلًا .

يوم رتبت ثيابك قالوا " الغربة تصنع الرجال " شعرت أنت بفحوى الرجولة كلها تجتمع فيك ، كان سهلًا بالنسبة لك أن تسافر لأرض ٍ جديدة وتغرف من الوقت والتمرد ما شئت لأجل التفوق على أقرانك ، ما أدركت عندها أنك لممت الحزن من زوايا بيتك وحشوته في حقيبتك ، أعتقد بعد أعوامك هذه أدركت أن الغربة مثل شعر وجهك حتى لو نما لن تصبح رجلاً .

قد تعجز يا رفيقي عن إيجاد دفء لوقت طويل، الالفة لايعول عليها، حتى لو حفظت طريق عملك وزرت أغلب معالم المدينة ، ولو تناولت طعامًا بشكل يومي من مطاعمها ولو صافحت من يسكن بجانبك ، ولو زرعت شتلة ورد من بلادك ، لن تصير الارض ذات الارض، وسيبقى خيطان معلقان في قلبك : واحدٌ للوطن وواحدٌ لمن هم فوق الوطن ، هذا جرحك تعايش معه ، كن منطقيًا في حزنك ، وابتكر من الالم رفقة أليفة ، لا تغالي في التذكر ولا تشنق نفسك به ، قال ابن تيمية " أنا جنتي وبستاني في صدري " تستطيع أن تبدأ بداية جديدة كل يوم لحظة تنوي ذلك حقًا ذات العالم الذي كنت تراه يتواطؤ مع غربتك ، سيتواطؤ معك ليصير الالم قعرًا بعيدًا عن مكانك .
صديقي المهاجر الاخر عن بلاده :
يقول أبي تمام :

كم منزلٍ في الارض يألفه الفتى
وحنينه أبدًا لأول منزل

العائلة هي الوطن الاصغر للفرد، وهي الاقدر على دعم الفرد لتصير الاختبارات نِعمًا صغيرة ، ثمة تعريف للعائلة يقول :
" ohana means family ,family means no body gets left behind or forgotten "
ثمة من يلتفت إذا تأخرت عن دربك، وثمة من يكترث حقًا إذا تألمت، ثمة من يخبرك دومًا أنك لست لوحدك، العائلة هي يد محال أن تغادر كتفك ، من بداية الخلق ارتبطت النفس البشرية بالارض ، والدليل الاوضح قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم الهجرة " والله إنك أحب بلاد الله إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت " مع أن أهل هذه المدينة ظلموه وعذبوه ورفضوه، لكل نبي أرسله الله بلاء يعظ به قومه وكان بلاء من بعث للخلق كافة الوطن، من ذلك نبعت العبرة .
صديقي الاسير :

لأنك لن تقرأ ما سأكتب سأطيله ..
لطالما أخافتني فكرة أن يضحي الانسان بنفسه لأجل المعتقد إذ آمنت أن الانسان أعز من الفكرة ولو أردنا خسارة أحدهما لضحينا بالثاني لأنه ليس ماديًا ملموسًا حتى واجهت كتابًا وضعني أمام التخيلات التي عاشها شخصٌ في موقعك فانقلب الميزان، فكرة أن تقص جناحان لروح كان ذنبها أنها لمست غيمة لم يصل لعلوها يومًا أحد وحدها تستحق أن يموت جيلٌ بكامله، صديقي الاسير شكرًا لكونك تمدني بالثبات من بين ثقل القضبان ، وتعلمني الخروج عن السرب وأنت في دور الطعام ، شكرًا لأنك الفكرة والانسان في وقت واحد .
إلى كل من أنهكته الحرب يومًا كل ما صار كُتب،كله رآه الله الحزن يعرف أصحابه.

ألا تثقون بندوبكم ؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.