المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو حمزاوي Headshot

انكسارات عربية

تم النشر: تم التحديث:

كتبت هذه الدراسة بمساهمة مجموعة من الباحثين العرب والغربيين، كنت من بينهم. وهي تنظر، من بين أمور أخرى، في أسباب تصاعد حدة الاستقطاب الاجتماعي والصراعات السياسية في بلاد العرب، وتطرح بعض الاستنتاجات الرئيسية:

أولاً، يساهم التكوين العرقي والديني للسكان في نشوء الاستقطاب الاجتماعي وتراكمه. وفيما يبدو الاستقطاب ظاهرة عالمية، يمكن القول إنه ليس في العالم منذ العام 2011 منطقة مجزأة ومبعثرة كالعالم العربي. ومع أن التفاصيل المحددة تختلف من بلد إلى آخر، فإن الفضاءات المتاحة للأصوات الرافضة للاستقطاب انحسرت بصورة عامة. وقد مكّن إغلاق الحكام العرب للفضاء العام من تكريس ممارسات النظم الحاكمة السلطوية، وأجهزة القمع والمحسوبية والمحاباة، وفاقم الضعف الذي تشكو منه تيارات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني.

ونتيجة لذلك، لم يبق للفاعلين السياسيين والمواطنين على السواء سوى مجال ضيق للمشاركة في العمل العام، واضطر هؤلاء إلى الاختيار بين دعم الحكومة أو معارضتها أو الذهاب إلى نقطة أكثر خطراً، وهي تبني أو رفض قبول هوية طائفية أو عرقية أو قبلية محددة.

ثانياً، يمكن تقسيم الاستقطاب في المجتمعات العربية إلى فئتين عريضتين؛ الأولى أيديولوجية تتجلى في صراعات القوى الدينية والعلمانية، وتتمثّل في التجارب المختلفة التي تعرضت إليها مصر وتونس بعد 2011. ففي مصر، حاول المكون العسكري - الأمني إقناع الجماهير بقبول الاستقرار والأمن عوضاً عن التعددية السياسية والحريات الشخصية.

غير أن الإجراءات القمعية، مثل الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان، وسن قوانين عديدة بطريقة غير ديمقراطية، ومنح المؤسسات العسكرية والأمنية صلاحيات لا رقيب عليها، ضاعفت من الانقسامات المجتمعية وأفضت إلى المزيد من العنف. في المقابل، وعلى الرغم من أن الثورة التونسية لم تترجم تماماً إلى ثقة جماهيرية بالمؤسسات السياسية، فإن تونس حققت نجاحاً مهماً في خلق الإطار اللازم لوضع نظام دستوري جديد يجمع بين القوى العلمانية والدينية ويشركها في العمل السياسي والمدني ويؤمن للمواطنين النفاذ إلى فضاء عام مليء بالحيوية يمكن فيه النظر في المظالم الاقتصادية، والتوترات الاجتماعية، وقضايا الهوية، والأهداف السياسية. وستظهر الأيام ما إذا كان من المستطاع تعميق مأسسة روح المصالحة النادرة التي أبدتها النخبة السياسية التونسية خلال الفترة الانتقالية بعد 2011، أم أن تزايد الخوف من الإرهاب والعنف السياسي قد حقن جرعة من العوامل المدمرة في السياسة التونسية.

ثالثاً، الفئة الأخرى الأكثر عنفاً من بين بلاد العرب فتتمثل في حالات الاستقطاب السياسي المصاحب لحروب أهلية وصراعات واضطرابات في مجتمعات منقسمة عرقياً ودينياً. ويمكن استغلال هذا الاستقطاب، بوصفه أداة سياسية مؤثرة، لتوفير كبش فداء تعلق عليه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وقد تباينت النتائج بين تصاعد وتائر التوتر الطائفي في البحرين ولبنان، وبين نشوب حروب أهلية وانهيار الدولة في العراق وسوريا.

ففي العراق، أسفرت السياسات الطائفية عن بروز فراغ أهلي وخلل في السياق الاجتماعي الذي كان يفضي إلى العنف والإرهاب. وقد أدت النزاعات المستمرة للاستحواذ على الموارد الاقتصادية والتمثيل السياسي بين المجتمعات الكردية، والشيعية، والسنية إلى خلق ملاذات آمنة لتنظيم الدولة الإسلامية، ودفعت جماعات اجتماعية أخرى تسعى إلى استغلال الانقسامات الطائفية (مثل قوات الحشد الشعبي) إلى تبنّي استراتيجيات عنيفة مماثلة.

أما في سوريا، أسفر نظام الاستبداد القائم على أساس طائفي والجرائم القمعية المتصاعدة عن انعدام الثقة الشعبية بكافة مؤسسات الدولة. انهارت فكرة وجود هوية وطنية سورية ومعها مفاهيم المواطنة الحديثة القائمة على المساواة في الحقوق والاستحقاقات للسوريين كافة. وعمقت من ذلك جرائم التنظيمات الإرهابية على نحو رتب تدمير النسيج الاجتماعي وتوليد واقع جديد يشبه إقطاعيات ما قبل الدولة الحديثة.

أما في البحرين، فالفجوة ما زالت آخذة بالاتساع بين الأقلية السنية الحاكمة والأغلبية الشيعية المحرومة وتنتج من ثم وضعية عدم استقرار مجتمعي وصراعات سياسية وانتهاكات متصاعدة لحقوق الإنسان والحريات. بينما تتواصل صراعات توزيع الموارد المحدودة والتنافس الطائفي في لبنان بصورة تضعف مؤسسات الدولة، وتنزع مصداقية الطبقة السياسية الحاكمة.

رابعاً، مع قلة المداخل المؤدية إلى التعبير السياسي الحر ومشاركة المواطن في العمل العام دون تعقب أو قمع، تهيمن إما الأصوات الحكومية أو الأصوات المتطرفة على المتبقي من فضاء عام في المجتمعات العربية. فالمواطن في بلاد العرب لم يستطع منذ عقود النفاذ إلى عمليات صنع القرار أو رقابة حقيقية على الحكومات. على الرغم من ذلك، لم يقف المواطنون موقف المتفرج السلبي من التطورات التي تمس بلدانهم، واستخدموا الأنشطة السلمية للتعبير عن همومهم.

والواقع أن المواطنين الشباب وجماعات من نشطاء المجتمع المدني والحركات العمالية كانوا في صدارة حركات الاحتجاج السلمية المعارضة لاستمرار الوضع القائم والتي بلغت ذروتها في الانتفاضات العربية العام 2011. ولم يتخلوا أبداً عن المطالبة بتحسين الأحوال المعيشية المتدهورة ومحاربة الفساد والمحسوبية وإلزام الحكومات باحترام حقوق الإنسان وقيم الشفافية.

خامساً، بمعزل عن الاختلافات والتناقضات الكثيرة بين المسارات التي اتخذتها البلدان العربية بعد الانتفاضات الديمقراطية في 2011، لا يزال الحراك المجتمعي قائماً. ففي تونس، دخل الشباب التونسيون معترك النشاط السياسي الرسمي وحافظوا على حضورهم القوي في الفضاءات غير النظامية وفي ساحات الاحتجاج على حد سواء. وفي البلدان التي استنفد الصراع طاقاتها، تركّز منظمات المجتمع المدني اليوم على إيجاد ملاذات آمنة لضمان بقائها على قيد الحياة.

ففي مصر، لم يحل استمرار سياسات القمع الرسمية ولم تحل القيود العديدة المفروضة على منظمات المجتمع المدني دون مواصلة الشباب المشاركة في فضاءات الاحتجاج غير النظامية ومقاومة فرض الرأي الواحد وإسكات الأصوات المعارضة فيما تبقى من فضاء عام. ولهؤلاء في تونس ومصر وغيرهما من بلاد العرب المستقبل، مهما تراكمت عثرات حاضر الاستقطاب المجتمعي وقمع الحكومات أو مهما تكالبت على المجتمعات نظم الاستبداد وحركات التطرف والإرهاب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.