المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

مصر.. الصدام بين النقابات المهنية والسلطوية الجديدة

تم النشر: تم التحديث:

حدث الصدام بين نقابة الأطباء ونقابة الصحفيين وبين السلطوية الجديدة لأسباب تعددت، من الدفاع عن حقوق الأعضاء إزاء العصف الممنهج بها، وحماية الحريات النقابية إزاء التدخلات الأمنية المتكررة، إلى رفض سياسات وقرارات وممارسات رسمية كانت محل استهجان شعبي.

واضطلع المجلسان المنتخبان للنقابتين بدور رئيسي في تعبئة الأعضاء (إنْ بالدعوة إلى جمعيات عمومية استثنائية أو بأدوات أخرى)، وتحفيزهم على المقاومة السلمية للسلطوية.

في 2015 و2016 تواترت اعتداءات عناصر منتمية للأجهزة الأمنية على أطباء وأفراد أطقم التمريض الطبي، ووثقت مواقع التواصل الاجتماعي، وأحياناً بعض وسائل الإعلام، لحالات صادمة كان من بينها وفاة طبيب بيطري داخل قسم شرطة في مدينة الإسماعيلية، بعد أن كان قد أُلقي القبض عليه، واعتُدي عليه قبل أن يقتاد إلى القسم.
غير أن الحادثة التي فجّرت غضب الأطباء ونقابتهم تمثلت في اعتداء شرطيين على أطباء بمستشفى حكومي في حي المطرية -مستشفى المطرية التعليمي- بمدينة القاهرة في 28 يناير/كانون الثاني 2016.

ففي أعقاب الحادثة نظَّم أطباء مستشفى المطرية التعليمي إضراباً كاملاً عن العمل، وأغلقوا قسم استقبال المرضى لحين اتخاذ إجراءات قانونية بصدد اعتداءات الشرطة. كذلك قام الطبيبان المعتدى عليهما بتحرير محضر بقسم شرطة حي المطرية اتهما به 9 من العناصر الأمنية بالاعتداء عليهما وتعريضهما للعنف الجسدي.

أما نقابة الأطباء، فأصدر مجلسها المنتخب بياناً للرأي العام، شرح به تفاصيل الحادثة، وأسباب إضراب أطباء مستشفى المطرية، وتقدم ببلاغ للنيابة العامة مطالباً بمحاسبة المعتدين، ودعا الأعضاء إلى جمعية عمومية طارئة لمناقشة الأمر في 12 فبراير/شباط 2016.

إزاء غضبة الأطباء ونقابتهم تم توقيف أمناء الشرطة المعنيين، غير أن النيابة العامة أخلت سبيلهم قبيل انعقاد الجمعية العمومية الطارئة بسويعات قليلة، في خطوة فُسرت على أنها استعلاء حكومي، وتجاهل لمطالب مشروعة.

ترتب على ذلك احتشاد أعضاء نقابة الأطباء في الجمعية العمومية الطارئة بصورة غير مسبوقة؛ حيث شارك نحو 10 آلاف طبيب؛ ليجعلوا من الجمعية الحشد الأكبر منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، وبقيادة مجلس نقابتهم المنتخب الذي برز من بينه النقيب الدكتور محمد خيري عبد الدايم، ووكيل النقابة الدكتورة منى مينا، وافق الأطباء بالإجماع على حزمة من القرارات، أبرزها حق الأطباء في الامتناع الاضطراري عن العمل حال الاعتداء عليهم أو على المنشآت الطبية، مطالبة النيابة العامة بسرعة إحالة أمناء الشرطة المتورطين في اعتداءات على الأطباء إلى محاكمات جنائية عاجلة، مطالبة السلطتين التشريعية والتنفيذية بسرعة إصدار تشريع واضح يجرم جنائياً الاعتداء على المنشآت الطبية أو على الأطباء والفرق العاملة بها، ويغلظ العقوبة المترتبة على ارتكاب هذه الجريمة، وأخيراً تنظيم وقفات احتجاجية للأطباء في 20 فبراير 2016 (سُميت بوقفات الكرامة).

نظّمت الوقفات الاحتجاجية في الكثير من المستشفيات الحكومية والخاصة، وتداعى إلى تأييد غضبة الأطباء كثيرون بين صفوف المدافعين عن الحقوق والحريات والأصوات الديمقراطية ومعارضي السلطوية الجديدة، وتضامنت مع نقابة الأطباء نقابات الصحفيين والمعلمين والمهندسين والنقل العام والنقل البري.

تراجعت السلطوية الجديدة عن شيء من استعلائها، أعلن رئيس مجلس الوزراء المهندس شريف إسماعيل التزام الحكومة بمحاسبة ومعاقبة المتورطين في الاعتداءات على الأطباء، ثم أكد استعداده الاجتماع بمجلس إدارة نقابة الأطباء وللتجاوب مع مطالبهم.

وأعقب التصريحات الرسمية بدء إجراءات المحاكمة الجنائية لأمناء الشرطة المتورطين في حادثة مستشفى المطرية، وهو ما اعتبرته النقابة، ومعها قطاعات واسعة في الرأي العام، إعلاء لقيمة حكم القانون ولضمانات الحقوق والحريات في مواجهة أجهزة أمنية متفلتة لم تعتد مساءلة أو محاسبة.

كما أن الاحتشاد غير المسبوق للأطباء في جمعيتهم العمومية الطارئة وتراجع السلطوية إزاء غضبتهم جعلا من صون كرامة الأطباء وحمايتهم من تغول الأجهزة الأمنية وتجريم الاعتداءات أولويات محل تعاطف شعبي واسع، وحفز ذلك الأطباء على عدم التهاون فيما خص تقديم البلاغات القانونية عن الاعتداءات التي يتعرضون لها (إنْ من عناصر أمنية أو من مواطنين) والربط (وفقاً لقرارات وتوصيات النقابة) بين الاعتداء على الأطباء والاعتداء على المنشآت الطبية.

بالقطع، استنفرت السلطوية الجديدة أدواتها المختلفة للضغط على نقابة الأطباء، وأطلقت إعلامياً حملة لتشويه المجلس المنتخب للنقابة، وامتنعت حكومياً عن الموافقة على مطالب عادلة أخرى للنقابة. إلا أن التراجع الرسمي عن الاستعلاء وإحالة أمناء الشرطة المتورطين في حادثة مستشفى المطرية إلى المحاكمة أسَّسا لسابقة إيجابية تمثلت في استطاعة نقابة مهنية لها مجلس إدارة منتخب وفعال وقادر على الحشد غل اليد القمعية للأجهزة الأمنية، وإلزام الحكومة بمحاسبة المتورطين في الاعتداءات والجرائم ضد أعضائها، وفي التحليل الأخير الصمود في مواجهة السلطوية الجديدة وأدواتها دون تنازل عن الدفاع عن حكم القانون وضمانات الحقوق والحريات، وإن لأعضائها فقط.

في 18 و25 في 25 أبريل/نيسان 2016، تداعت مجموعات من الشباب إلى التظاهر السلمي احتجاجاً على توقيع الحكومة المصرية لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة المملكة العربية السعودية (اتفاقية تيران وصنافير).

حشد الشباب للتظاهر موظفين شبكات التواصل الاجتماعي، وانضم إليهم في دعوة الناس للتظاهر بعض الأحزاب السياسية (أبرزها أحزاب التيار الديمقراطي والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي)، وشخصيات عامة، وحقوقيون وصحفيون وإعلاميون ونقابيون.

وبينما تمكن الآلاف من التظاهر السلمي والاحتشاد أمام مقر نقابة الصحفيين في وسط العاصمة القاهرة في 18 أبريل 2016 "جمعة الأرض"، حاصرت الأجهزة الأمنية مقر النقابة وأغلقت الطرق المؤدية إليه، وحالت دون خروج تظاهرات باتجاهه أو تجمع حشود كبيرة أمامه في 25 أبريل 2016 (الذكرى السنوية لتحرير سيناء)، وفي اليومين وظفت الأجهزة الأمنية سلاح التوقيف وسلب الحرية لمنع التظاهر ولنشر الخوف، فألقت القبض على 110 من المتظاهرين في جمعة الأرض، وأوقفت 230 مواطناً في يوم سيناء.

في سياق الملاحقة الأمنية للداعين والمشاركين في تظاهرات تيران وصنافير، أصدرت السلطات أمرين بضبط وإحضار الصحفي عمرو بدر، رئيس تحرير بوابة يناير الإخبارية، والصحفي محمود السقا، أيضاً صحفي ببوابة يناير الإخبارية، ووجهت إليهما لائحة الاتهامات المعهودة من انضمام إلى "جماعة تخالف أحكام القانون"، إلى التحريض على التظاهر والتجمهر.

في 30 أبريل 2016 دخل الصحفيان في اعتصام مفتوح بمقر نقابتهما بعد أن اقتحمت قوات الأمن منزليهما، وطالبا النقابة باتخاذ موقف واضح مما يتعرضان له من قمع بسبب تمسكهما بالتعبير الحر والسلمي عن الرأي، كما طالبا أعضاء النقابة بالتضامن معهما.
في 1 مايو/أيار 2016 اقتحمت قوات الأمن مقر نقابة الصحفيين، وألقت القبض بداخلها على بدر والسقا، في سابقة هي الأولى في التاريخ الطويل للنقابة ولعلاقتها غير السهلة مع سلطويات مصر المتعاقبة (تأسست نقابة الصحفيين المصرية في 1941).

خلال التحقيق معهما الذي باشرته النيابة العامة، أضيف إلى لائحة الاتهامات الموجهة إلى الصحفيين "محاولة تغيير دستور الدولة ونظامها الجمهوري وشكل الحكومة" و"تعطيل أحكام الدستور والقوانين" و"منع مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة من ممارسة عملها"، وهي الاتهامات التي تضعهما تحت طائلة المادة 78 المعدلة من قانون العقوبات (مادة تجريم الوعد بأشياء أخرى).

فجر الاقتحام الأمني للنقابة، وكذلك صلف السلطات في التعامل مع الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا غضب المجلس المنتخب للنقابة.

عبّر يحيى قلاش، نقيب الصحفيين، عن الاستياء الشديد من فعلة قوات الأمن ودعا باسم المجلس المنتخب رئيس الجمهورية للتدخل لحل الأزمة بين وزارة الداخلية ونقابة الصحفيين.

تعالت أصوات أعضاء آخرين في مجلس النقابة، أبرزها جمال عبد الرحيم، سكرتير عام النقابة، وخالد البلشي، وكيل النقابة ورئيس لجنة الحريات، ومحمود كامل، مقرر اللجنة الثقافية، بانتقادات حادة للاقتحام وللاستفزاز الحكومي وللمساعي المتكررة للإخضاع الأمني لنقابة الصحفيين.

في 4 مايو 2016، انعقدت جمعية عمومية طارئة للنقابة بناء على دعوة مجلسها، واحتشد للمشاركة الآلاف من الصحفيين، وصِيغت مطالب، أبرزها إقالة وزير الداخلية، واعتذار رئاسة الجمهورية من الصحفيين عن "فعلة الاقتحام"، وإصدار تشريع يقضي بمنع الحبس في قضايا النشر، والإفراج عن جميع الصحفيين المسلوبة حريتهم في قضايا نشر.

على النقيض من التراجع الجزئي للسلطوية الجديدة إزاء مطالب نقابة الأطباء، تعاملت الحكومة مع احتجاجات نقابة الصحفيين معوّلة فقط على الأدوات القمعية المعتادة من تفخيخ النقابة من الداخل، بتشويه مجلسها المنتخب، وتأجيج المعارضة ضده، إلى التعقب القانوني لقيادات المجلس.

في 8 مايو 2016، نظم صحفيون معروف عنهم القرب من الدوائر الحكومية أو يعملون في صحف تعد من "الأذرع الإعلامية" للسلطوية اجتماعاً في مؤسسة الأهرام، الصحفية (ذات الملكية العامة والمدارة حكومياً)، سمي "اجتماع الأسرة الصحفية"، وأصدروا بياناً اتهموا به مجلس النقابة بالتورط في وضع نفسه فوق "السلطات العامة ومؤسسات للدولة"، وبممارسة "السياسة"، والتصرف "كحزب سياسي يحتكر النقابة منبراً لدعوته"، وحاولوا شق صف المجلس المنتخب، بالإشارة إلى حضور "خمسة من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين" لاجتماعهم نظراً لاستيائهم من "قرارات وتصرفات" مجلس النقابة.

في 28 مايو 2016، استدعت السلطات نقيب الصحفيين وسكرتير عام النقابة ووكيلها للتحقيق معهم من قِبل النيابة العامة في اتهامات "بإعانة متهمين صدر بحقهما قرار ضبط وإحضار على الهروب، ونشر أخبار كاذبة متعلقة بتفاصيل القبض"، على الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا.

بعد التحقيقات أخلت النيابة العامة سبيل أعضاء مجلس نقابة الصحفيين وأحالتهم إلى محاكمة جنائية عاجلة أمام محكمة الجنح، ووفقاً لسير عملية التقاضي ستعلن الأحكام في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ثم واصلت السلطوية الجديدة تصعيدها ضد الصحفيين ونقابتهم، بالتجاهل التام لمطالبهم المشروعة المتعلقة بمنع الحبس في قضايا النشر والإفراج عن الصحفيين المسلوبة حريتهم، مثلما تجاهلت أيضاً مطلب إقالة وزير الداخلية، أو توجيه اعتذار رئاسي للنقابة، أيضاً لم يتوقف سلب حرية الصحفيين في مصر التي تشغل حكومتها بعد الصين المركز الثاني في قائمة الحكومات الأكثر حبساً للصحفيين، فأمرت النيابة العامة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2016 بضبط وإحضار 63 صحفياً من العاملين في بعض المواقع الإخبارية الإلكترونية، وفي شركات الإنتاج الإعلامي، بزعم تبعية المواقع وشركات الإنتاج لجماعة الإخوان المسلمين.

إلا أن الهجمة القمعية على نقابة الصحفيين ومجلسها المنتخب، وإن حالت دون الاستجابة لمطالبهم المشروعة، لم تسفر عن إسكات الصوت الاحتجاجي إزاء العصف المستمر بحقوق وحريات الصحفيين، ولم تخلص السلطوية الجديدة من حضور النقابة كساحة رئيسية لمقاومتها، ورفض صلفها، والثبات في مواجهة تعقب أصحاب الرأي الحر.

هذه التدوينة نقلا عن القدس العربي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.