المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

مصر.. مفردات وسياسات حكم شعبوي

تم النشر: تم التحديث:

تجتاح الشعبوية مناطق واسعة ومجتمعات متنوعة. من ظاهرة دونالد ترامب مدعية التعبير عن مصالح بسطاء الناس والكارهة للأجانب وللمسلمين وللسياسة وممارسيها في الولايات المتحدة الأمريكية إلى صعود اليمين العنصري في أوروبا بقوائم أعداء تشمل النخب السياسية وبيروقراطية الاتحاد الأوروبي والشركات الكبرى المستفيدة من العولمة الاقتصادية وتمتد أيضا للأجانب والمسلمين، من ديكتاتورية فلاديمير بوتين المستندة إلى إحياء الأحلام الإمبراطورية الروسية وإلى حتمية وجود دولة القمع والحاكم مطلق السلطات لحماية عموم الناس الباحثين عن الخبز وفرص العمل ولمواجهة أطماع ومؤامرات العالم الخارجي إلى استدعاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لخليط من فهم فاشي للقومية التركية يبرر به التعامل العنيف مع الأكراد واستخدام القوة المسلحة إقليميا وحديث عن الدفاع عن الديمقراطية والانتصار لمبادئ الدولة الحديثة ولإرادة الأغلبية الشعبية يتحول إلى نقيضه التام بالعصف بسيادة القانون وتعطيل ضمانات الحقوق وتعقب الإعلام الحر والسلب الجماعي لحرية الآلاف في أعقاب انقلاب تموز / يوليو الفاشل.

تحضر الشعبوية، بمقومها الأساسي المتمثل في ضرب حكام وسياسيين مستبدين عرض الحائط بالديمقراطية مدعين الانتماء العضوي للجماهير والتعبير عن مصالح وطموحات بسطاء الناس، أيضا بقوة في الحالة المصرية الراهنة. تحضر الشعبوية في أروقة ودوائر حكم ما بعد 3 تموز / يوليو 2013 برافديها الرئيسيين، الشعبوية باسم الدين والشعبوية باسم الوطنية.

يحتكر الحكم، وينوب عنه الحاكم الفرد المرفوع إلى مصاف الأبطال المنقذين والمخلصين المنتظرين، الحق الحصري للحديث باسم الدين في الشؤون العامة والشأن السياسي كما في شؤون الحياة الخاصة. يوظف الحكم المؤسسات الدينية الرسمية، إسلامية ومسيحية، لكي ينزل في الواقع المعاش احتكاره للدين في سياقات ثلاثة تؤسس لشرعية زائفة: ادعاء شعبويا بضرورة ترك الشؤون العامة والشأن السياسي له بمفرده وإلزامية تأييد عوام الناس لقراراته وممارساته وإقرارهم القسري بشرعيته لكون طاعة الحكم واجبة دينيا، ادعاء شعبويا إضافيا باستحواذ الحكم وحده على مفردات ومضامين الفهم القويم للدين معرفة كاعتدال ديني أو وسطية دينية يسعى لفرضها على المواطنين (هم هنا رعايا) والمجتمع (هو هنا الجماهير) عبر آليات متوهمة تارة للإصلاح الديني وأخرى للتجديد الديني، ادعاء شعبويا ثالثا بمسؤولية الحكم مدعوما بالمؤسسات الدينية الرسمية تجاه المحافظة على "مكارم الأخلاق والقيم السامية" وضمان احترام الناس لها في حياتهم الخاصة بمعزل عن "الأفكار المغرضة وغير المناسبة لنا في مصر" عن الحقوق الفردية والحريات الشخصية.

أما الشعبوية باسم الوطنية، وحولها تدور ادعاءات كثيرة أخرى للحكم في مصر، فتقوم من جهة على احتكار المؤسسة العسكرية ومعها تابعيها في المؤسسات الأمنية والاستخباراتية للحق الحصري لتعريف مفاهيم المصلحة الوطنية والأمن القومي ثم النزوع للربط العضوي بين ذلك وبين الدفع باضطلاع الجيش وغيره من الأجهزة النظامية منفردة بمهمة الدفاع المقدس عن البلاد وإقليمها وعن الدولة واستقرارها. يبحث الحكم الراهن عن الاقتراب من "بسطاء الناس" مروجا لتصورات نمطية أنتجتها خمسينيات القرن العشرين والعقود التي تلتها عن الجيش "الحامي" و"الحاني" (المقولة الشهيرة لوزير الدفاع السابق ورئيس الجمهورية الحالي عن كون "هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه"، والصورة الفوتوغرافية الشهيرة للجندي المحتضن لرضيع في رمزية أبوية فجة تصنع من الجيش الأب الحامي والحاني ومن الشعب جموع قاصرة تحتاج للحماية والرعاية والحنان) الذي ليس أمام "الجماهير" (وبغض النظر عن واقع الانكسارات والأزمات المتراكمة) غير أن تضع ثقتها به وتصطف خلفه لتلقي وتنفيذ "الأوامر" كجنود مخلصين.

ترتيبا على ذلك، تنهض الشعبوية باسم الوطنية على تسفيه السياسة بكونها ممارسة تعددية وتنافسية بين نخب مدنية (وصفة المدني هنا هي نقيض العسكري على وجه الخصوص والنظامي على وجه العموم) تنعت إما بالعجز عن الدفاع عن البلاد والمصلحة الوطنية أو بانتفاء قدرتها على حماية "بسطاء الناس" وصون مصالحهم وتحسين ظروفهم المعيشية أو بالشللية وتغليب الحسابات الخاصة والضيقة (وهذه تصبح زيفا عنصرا جوهريا في ازدراء الأحزاب السياسية والحزبية) أو بالتبعية للعسكريين والنظاميين على نحو يجعل من التفات "البسطاء" للنخب المدنية ملهاة لا عائد من وراءها. وإذا كانت السياسة تسفه والنخب المدنية تستبعد، فإن الحكم الذي يشغل به عسكري رأس السلطة التنفيذية يملئ الفراغ الناتج عن التسفيه والاستبعاد بطرح الجيش (وبدرجة أقل الأجهزة النظامية الأخرى) كالفاعل الوحيد القادر على "الاضطلاع بالمهمة" إن فيما خص الدفاع عن البلاد أو لجهة وضع "الخبز على موائد المصريين" أو بشأن توفير احتياجاتهم الأساسية (من حليب الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية) أو لحماية مصالح "البسطاء" إزاء فساد النخب المدنية وشلليتهم (حتى وإن أدى هذا الأمر إلى تضخم الأدوار الاقتصادية والاجتماعية للجيش وحضور العسكريين والنظاميين بكثافة في مجمل المؤسسات العامة والخاصة وبعيدا عن معسكراتهم وتجمعاتهم).

تدفع ثنائية تسفيه السياسة في مقابل الاحتفاء الأحادي بالجيش وأدواره بشعبوية الحكم إلى خانات إضافية تتناقض مفرداتها ومضامينها مع مبادئ سيادة القانون والدولة الحديثة. فتكتسب المؤسسة العسكرية وعناصرها، دستوريا وقانونيا وفي الممارسة السياسية، حصانة من هم فوق المساءلة والمحاسبة وتعطل بالتبعية الاختصاصات الرقابية للسلطتين التشريعية والقضائية ولأجهزة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات. بل أن الحكم وظف صياغة دستور جديد للبلاد في 2014 لصناعة وضعية استثنائية للمؤسسة العسكرية (هي للدولة فوق الدولة أقرب منها إلى الدولة داخل الدولة) التي لا يشرع لها إلا بموافقتها ولا تناقش ميزانيتها سوى كرقم واحد ولا يراقبها أحد ولا يخترقها القضاء الطبيعي (المدني) بل يخترق القضاء العسكري القضاء المدني ويتغول على المواطنين الذين زج بين 2013 و2016 بالآلاف منهم إلى المحاكم العسكرية، مثلما استخدم أدواته التنفيذية والبرلمانية لتقنين تضخم الأدوار الاقتصادية والاجتماعية للجيش (قرار رئيس الجمهورية في 2015 بتمكين الجيش من إقامة شركات ربحية وشراكات استثمارية مع مصريين وأجانب). كذلك، تنتفي المسافة الفاصلة بين ثنائية تسفيه السياسة والاحتفاء بالجيش وبين الترويج لدور رئيس الجمهورية القادم من المؤسسة العسكرية كبطل منقذ للبلاد ومخلص منتظر لبسطاء الناس (أو تصبح مجرد "مسافة السكة")، وتترجم من ثم شعبويا سيطرة الجيش وحلفاءه النظاميين على شؤون الحكم والسلطة باسم الوطنية إلى حكم للفرد أيضا باسم الوطنية.

وفي خانات غير بعيدة، تنقلب الشعبوية باسم الوطنية إلى تصفية من تصنفهم إما كأعداء أو كعوامل تهدد سيطرتها على بسطاء الناس أو كمعاول هدم لحكمها وإخراج "للجماهير" من طوعها. تعادي الشعبوية الأصوات الحرة المطالبة بالتحول الديمقراطي ومنظمات المجتمع المدني المستقلة التي تدافع عن الحقوق والحريات، وتعمل على إبعاد الناس عنهم والحيلولة دون تبلور ثقة شعبية في إمكانية الارتباط الإيجابي بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين المصلحة الوطنية. يسعى الحكم إلى نزع كامل المصداقية الأخلاقية والوطنية عن أصوات الحرية وعن المجتمع المدني بترويج اتهامات متهافتة بشأن فساد وتلقي تمويلات خارجية وعمالة لجهات أجنبية، وتوظف في سبيل ذلك أذرعها الإعلامية وماكينة تزييف الوعي العام التي يحويها دولاب بيروقراطية الدولة المصرية. يتبع مساعي نزع المصداقية استخدام الحكم لأدوات التعقب القانوني والقمع الأمني لفرض حصار التهجير على أصوات الحرية وحصار الإلغاء على المجتمع المدني، ويصبح سلب الحرية والإلقاء إلى غياهب السجون وأماكن الاحتجاز هو مصير غير الممتثلين للتهجير ومقاومي الإلغاء.

تعادي الشعبوية حكم القانون وترى خطرا بالغا في إرساء مرتكزاته عدلا ومساواة كاملة بين الناس دون تمييز، واعترافا لهم بهوية المواطنة التي تنهي التعامل ما قبل الحداثي معهم كرعايا أو جماهير. في مصر اليوم، تستخدم الشعبوية باسم الوطنية للانقضاض على حكم القانون، تارة تحت يافطة الحرب على الإرهاب التي صيغت تذرعا بها قوانين وتعديلات قانونية تتناقض شموليا مع ضمانات العدل والحق والحرية (قانون تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين نموذجا)، وأخرى تحت يافطة مواجهة المؤامرات التي تحاك للوطن داخليا وخارجيا وبعباءتها مررت قوانين وتعديلات قانونية وممارسة للمؤسسات الرسمية جوهرها الوحيد هو القمع والتعقب والتهديد المستمر لغير الممتثلين (تعديل المادة ٧٨ من قانون العقوبات المصري، مادة "تجريم الوعد بأشياء أخرى")، وتارة ثالثة تحت يافطة "لا تنطبق علينا المعايير الغربية لحكم القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان" لكي تنزع زيفا مصداقية المفاهيم العالمية للحقوق والحريات وتبرر الجرائم والانتهاكات المتراكمة سلبا للحرية واختفاء قسريا وقتلا خارج القانون وتعذيبا باستدعاء متهافت "لخصوصية مصرية" متوهمة.

ولأن الحكم المستند إليها لا يملك من رؤى السياسات العامة ومن خطط التنمية سوى ما يعيد تدويره من عقود مضت (كالمشروعات القومية الكبرى) أو ما يقتصر على العموميات (كحديث الإنجازات العملاقة وغير المسبوقة)، تعادي الشعبوية باسم الوطنية قيم العلم والمعرفة والبحث والنقد والمراجعة والتصويب والتعديل والتغيير وتحارب في الفضاء العام من يرفعون لواء هذه القيم لمطالبة الحكم بإعادة النظر في سياساته الاقتصادية والاجتماعية لكي يدافع بالفعل عن المصلحة الوطنية وتصان مصالح البسطاء. وثمة سبب آخر يكمن وراء عداء الشعبوية لهذه القيم، ألا وهو ولعها بالإنكار كأداة تستخدم لتزييف الوعي العام. لا أزمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية خارجة عن قدرات الضبط الحكومي، لا انتهاكات للحقوق والحريات، لا تجاوزات تطول أدوار الجيش في الاقتصاد والمجتمع، لا تهاون في محاربة الفساد وصون حقوق البسطاء إزاء النخب الفاسدة. ازدراء العلم والمعرفة هو جوهر الإنكار على كافة تلك المستويات المأزومة اليوم في مصر بصورة غير مسبوقة.

أخيرا، تستكمل الشعبوية باسم الوطنية تمكينها للحكم بادعاء دفاعه المنفرد عن البلاد والمصلحة الوطنية وقربه العضوي من عموم الناس بإنتاج حزمة تتجدد دوما من مقولات "التآمر على الوطن" ومن قوائم "المتآمرين في الداخل والخارج" ومن "خططهم الشريرة" لتعطيل التنمية ونشر الفوضى والإحباط (أو لتقل "المناخ التشاؤمي" وفقا للصياغات المحدثة لوزارة الداخلية المصرية). وبالتبعية تعلق الفجوة الواسعة بين وعود الإنجازات وصون مصالح البسطاء وبين واقع الأزمات والظروف المعيشية السيئة التي تطحن البسطاء في رقاب المتآمرين، وتروج خرافات كحروب الجيل الرابع وعمالة منظمات حقوق الإنسان الدولية لجماعة الإخوان المسلمين وفتك هؤلاء بعلاقات التعاون بين الخليج ومصر وعضوية الطابور الخامس التي نوزع على أصوات الحرية والديمقراطية، وبالتعليق في الرقاب يعفى الحكم من مطلق المسؤولية عن سياساته الفاشلة وعن مظالمه التي ليس لها قط أن تؤسس لتنمية أو تقدم.

هذه التدوينة نقلا عن القدس العربي

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.