المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

تجريم الوعد بأشياء أخرى

تم النشر: تم التحديث:

منذ اللحظة الأولى لسيطرتها على شؤون الحكم في مصر في صيف 2013 وإلى اليوم، تعمل السلطوية الجديدة على إلغاء وجود منظمات المجتمع المدني المستقلة ووضع فاعليها تحت مغبة التهديد الدائم بالتعقب والعقاب.

لم يفت جنرالات المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية إدراك مضامين الدور الهام الذي اضطلعت به مراكز حقوق الإنسان وجمعيات الدفاع عن ضحايا المظالم والانتهاكات قبل ثورة 2011، بتوثيقها لممارسات نظام الرئيس الأسبق مبارك ورفعها لكلفة جرائم كسلب الحرية والتعذيب والقتل خارج القانون عبر توعية المواطن في الداخل والتواصل العلني مع المنظمات الحقوقية العاملة عالميا. لم يفت الجنرالات إدراك تفاصيل الإسهام الفعال للمجتمع المدني في تجربة التحول الديمقراطي بين 2011 و2013، وبها مكنت المنظمات والمراكز والجمعيات المستقلة وغير الحكومية قطاعات مؤثرة من المصريات والمصريين من المشاركة السلمية في الاستفتاءات الدستورية (2011 و2012) والانتخابات البرلمانية والرئاسية (2011 و2012)، ومن التعبير العلني عن الرأي عبر التظاهر السلمي لمطالب سياسية واقتصادية واجتماعية متنوعة، ومن توثيق المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات التي تواصلت بعد الثورة الشعبية. لم يفت الجنرالات أيضا توظيف مقولات "العداء للوطن والتآمر على الدولة والإخلال بمقتضيات السيادة الوطنية" في مقاربة المجتمع المدني، من جهة لتزييف الوعي العام ولإبعاد الناس عن الإنصات لمن لا يخضعون لسطوتهم المباشرة ومن جهة أخرى لتبرير إطلاق الاتهامات وإجراء المحاكمات المستمرة لفاعلي المجتمع المدني.

لذلك، لم تصبر السلطوية الجديدة طويلا على تطويع القانون لأغراض تعقب وعقاب المجتمع المدني في مصر. وبينما رفضت السلطوية تعديل قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية (القانون رقم 84 لسنة 2002) بكل ما يتضمنه من قيود بشأن تأسيس وإشهار المنظمات غير الحكومية والإدارة المستقلة لأنشطتها وبكافة وسائل وأساليب التدخل التي يقرها للسلطة التنفيذية ممثلة في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وفي الوزارة المعنية (وزارة التضامن الاجتماعي)، أدخلت حزمة من التعديلات القانونية والقرارات التنفيذية التي ليس لها من هدف سوى تصعيد الضغوط الرسمية على المجتمع المدني باتجاه إلغاء الوجود وجعل المنظمات والمراكز والجمعيات المستقلة تصارع من أجل البقاء. وإذا كان القرارات التنفيذية الأخطر نتائجا قد ارتبطت بقيام وزارات ولجان حكومية (تنفيذية وليست قضائية) "بسحب تراخيص" العديد من الجمعيات الأهلية بادعاء تبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين (تصدر قرارات سحب التراخيص عن وزارة التضامن الاجتماعي) و"بمصادرة أموالها" (وهو العمل الذي تقوم به "لجنة التحفظ وإدارة أموال جماعة الإخوان" منذ 2014)، فإن التعديل القانوني الأكثر كارثية يتمثل في تعديل المادة رقم 78 من قانون العقوبات.

في 21 أيلول / سبتمبر 2014، عدل رئيس الجمهورية الحالي المادة رقم 78 من قانون العقوبات على نحو يجرم عملا النشاط العلني والسلمي للمنظمات التي تصنفها السلطوية الجديدة في خانات الأعداء والمتآمرين، ويفرغ من المضمون حقها المشروع في الحصول على تمويل أجنبي شريطة التزامها قاعدة الشفافية (الإفصاح للجهات الرسمية عن مصدر التمويل وحجمه وأوجه إنفاقه والالتزام بالإجراءات الضريبية المقررة) ومبدأ خدمة الصالح العام (غير المرتهن بالمصالح الضيقة لأشخاص أو كيانات في الداخل والخارج)، ويعطل قدرتها على التعاون مع المنظمات غير الحكومية العاملة عالميا.

وللمادة المعنية صياغة لغوية فريدة في مطاطيتها، تصل إلى حد تجريم أشياء غير معرفة ومحاسبة النوايا والوعود. فتأتي فقرتها الأولى كالتالي: "كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية أو ممن يعملون لمصلحتها أو من شخص طبيعي أو اعتباري أو من منظمة محلية أو أجنبية أو أية جهة أخرى لا تتبع دولة أجنبية ولا تعمل لصالحها، أموالا سائلة أو منقولة أو عتادا أو آلات أو أسلحة أو ذخائر أو ما في حكمها أو أشياء أخرى أو وعد بشيء من ذلك بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام يعاقب بالسجن المؤبد وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد على ما أعطي أو وعد به."

إذا كان من الاعتيادي تجريم تلقي الأموال أو العتاد أو الآلات أو الأسلحة أو الذخائر من أشخاص طبيعيين أو اعتباريين بغرض المساس باستقلال البلاد أو ارتكاب الأعمال العدائية - شريطة التعريف القانوني المنضبط لمضامين تهديد استقلال البلاد وهوية الأعمال العدائية، فإن من الغريب للغاية هنا أن يطلق التجريم ويطوع لغرض السلطوية الجديدة في القمع من خلال صياغات مطاطية مثل "ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية" و"الإخلال بالأمن والسلم العام" تفتقر للقابلية للتعريف القانوني المنضبط. من الغريب أيضا أن تسقط المادة رقم 78 المعدلة كل تحديد موضوعي للأشياء المجرم الحصول عليها بالزج بعبارة "أو أشياء أخرى" بعد الإشارة إلى الأموال والأسلحة والذخائر وما في حكمها.

ثم تكتمل كارثة إطلاق التجريم والتخلي عن ضرورات التعريف القانوني المنضبط والتحديد الموضوعي بإدراج صياغات مطاطية إضافية مثل "أو وعد بشيء من ذلك" بعد عبارة الأشياء الأخرى في الفقرة الأولى، ومثل في الفقرة الثانية "ويعاقب بنفس العقوبة كل من أعطى أو عرض أو وعد بشيء مما ذكر بقصد ارتكاب عمل ضار من الأعمال المبينة بالفقرة السابقة"، ومثل الإشارة في الفقرة الثالثة إلى فرض نفس العقوبات (وهي تشمل الإعدام إذا كان الجاني موظفا عاما أو مكلفا بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية) على "التوسط في الجرائم" المنصوص عليها في الفقرتين الأولى والثانية دون أي تعريف لمضامين التوسط.

تمكن المادة رقم 78 من قانون العقوبات، مادة "الوعد بالأشياء الأخرى"، السلطوية الجديدة في مصر من المرادفة في التعقب وإنزال العقاب بين من يثبت عليهم التورط في جرائم الإرهاب والعنف والجاسوسية وبين منظمات المجتمع المدني الرافضة لانتهاكات الحقوق والحريات والمجموعات المدافعة عن ضحايا الظلم التي يصنف جنرالات المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية عملهم كإخلال بالسلم والأمن العام. تغيب الفوارق الجوهرية بين أعمال الإرهاب والعنف المصنفة عن حق كأعمال عدائية وبين توثيق المشروع للمظالم والانتهاكات التي يرغب الجنرالات في إنكارها، وتختفي الخطوط الفاصلة بين الحصول الإجرامي على الأسلحة والذخائر بغرض الإضرار بالبلاد وأهلها وبين الحصول على الحواسب الإلكترونية وأجهزة الطباعة التي تحتاجها المنظمات الحقوقية لإدارة نشاطها.

إلغاء الوجود وفرض الصراع من أجل البقاء على المنظمات والمراكز والجمعيات غير الحكومية المستقلة هما هدفا السلطوية الجديدة هنا، ويجافي الموضوعية عدم توقع إقرار المزيد من التعديلات القانونية الكارثية والقرارات التنفيذية قمعية الطابع والمزيد من المحاكمات لفاعلي المجتمع المدني في قادم الأيام.

نقلا عن القدس العربي

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.