المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

الأشياء الثلاثة

تم النشر: تم التحديث:

شيء من الخوف، شيء من وعود الإنجازات البراقة، شيء من كيل اتهامات التآمر لأطراف داخلية وخارجية؛ هذه الأشياء الثلاثة هي كل ما تحتاجه الحكومات السلطوية لتسطو على المجتمعات والدول، هي كل ما يحتاجه الغوغائيون من ممارسي السياسة للاستحواذ على تأييد قطاعات شعبية واسعة وحسم المنافسات الانتخابية لصالحهم أو جرف الناس إلى هاوية تبني مواقف بدائية تراوح بين العنصرية والرجعية.

هذه الأشياء الثلاثة، وهي تحضر اليوم بقسوة في الواقع المصري، هي التي تمكن حكومة فلاديمير بوتين في روسيا الاتحادية من البقاء في السلطة والإبقاء على المعارضة الديمقراطية حبيسة الممارسات القمعية على الرغم من التراجع الفادح في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن التراكم الكارثي للفساد وللمظالم التي تعصف بحقوق وحريات الكثيرين، ومن الفشل في تحديث المؤسسات العامة ومؤسسات الدولة في القوة العظمى السابقة التي يهزها بعنف انخفاض الأسعار العالمية للنفط والغاز الطبيعي وتعجز عن التماسك إزاء بعض العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية الغربية. هذه الأشياء الثلاثة هي التي تمكن بوتين من مواصلة الحكم عبر واجهة ديمقراطية زائفة وعبر تحايلات دستورية وقانونية لا تخلو من طرافة في إخراجها العلني (رئيس الجمهورية المتحول إلى رئيس وزراء ثم العائد إلى المنصب الرئاسي). هي، ومعها بالقطع المغامرات الخارجية في أوكرانيا وسوريا وغيرهما، والترويج لفهم شوفيني للوطنية الروسية، والاستثمار في خطاب ديني محافظ ترعاه الكنيسة الأرثوذكسية ويمنح الرئيس الأبدي صفات المخلص المنتظر والبطل المنقذ، التي تمكن بوتين من قمع المعارضين دون هوادة وتحول بينه وبين تحمل النتيجة العادلة الوحيدة للمظالم والانتهاكات والفشل، تراجع القبول الشعبي فالخسارة الانتخابية فالخروج من الحكم.

هذه الأشياء الثلاثة، وهي لا تدع يوما يمر في مصر دون أن تذكر المواطن بقسوة الانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية ومؤسسات أخرى للإبقاء على الخوف وبامتهان المعلومات والحقائق لكي يتواصل إنتاج وعود "تقدم" مفرغة من المضمون وبتغييب العقل والعلم بهدف التمكين لمنصات "الإطلاق المستمر" لاتهامات التآمر والخيانة، هي التي تمكن الحزب الشيوعي الحاكم في الصين من الإبقاء على سياسات الإخضاع السلطوي للمجتمع صاحب الكثافة السكانية الأعلى عالميا وإسكات أصوات المعارضين دون كلفة داخلية عالية والامتناع عن الاعتراف بالتنوع الديني والعرقي واللغوي وتجاهل حقوق الأقليات (الأقلية المسلمة وأهل التبت كنموذجين). هي، ومعها إعادة اكتشاف خطاب "الثورة الثقافية" الذي صاغه في ستينيات القرن الماضي ماوتسي تونج وإعطاءه صبغة وطنية مستحدثة (القومية الصينية) والمزج بينه وبين "استعراضات القوة" إزاء الجوار الآسيوي، التي تمكن الحزب الشيوعي الحاكم من تقليل التداعيات السياسية لتراجع معدلات النمو الاقتصادي والتكالب المرعب للفساد في المؤسسات العامة الخاصة خلال السنوات الماضية، ومن الحد من الكلفة المجتمعية للقمع الصريح للانتفاضة الديمقراطية في هونج كونج (٢٠١٤-٢٠١٥) ولسلب حرية صحفيين وكتاب ومبدعين "جريمتهم" هي التعبير عن الرأي.

هذه الأشياء الثلاثة، وهي ينظر إليها من قبل عديد المصريات والمصريين الباحثين عن تجاوز للحكومة السلطوية واستعادة لمسار تحول ديمقراطي كتعبير مباشر عن واقع مصري راهن قوامه الفقر والأمية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة وحصيلته هي بيئة مجتمعية قابلة للتأثر بصناعة الخوف وبالترويج لعبث الوعود الوهمية وبنشر أحاديث المؤامرة وبتفريغ الفضاء العام من المضمون والعقل والعلم، هي التي تمكن رجل الأعمال الأمريكي دونالد ترامب من توظيف مقولات غوغائية وعنصرية وذكورية جهولة وفجة لإحراز نجاحات سياسية متكررة في مجتمع استقر تنظيمه الديمقراطي ويعيش التنوع في سياقات عرقية ولغوية ودينية شديدة التباين. دون تنصل من الاعتراف بالعجز عن الإحاطة الشاملة والموضوعية بالعوامل الموضوعية الكامنة وراء صعود ترامب وشعبيته ومع الإقرار بحضور تغير جوهري في المزاج العام للطبقة الوسطى الأمريكية يحمل قطاعات مؤثرة بداخلها على تأييد مقولات ترامب البشعة عن طرد المهاجرين غير الشرعيين وبناء الأسوار بين الولايات المتحدة وجوارها الفقير ومنع المسلمين من قدوم أراضي زعيمة العالم الحر، يظل خليط الخوف والوعود الوهمية والاتهامات الجزافية بالتآمر على "المصالح الوطنية الأمريكية" هو المسؤول إلى حد بعيد عن نجاح ترامب في الفوز بالانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري ومن ثم حسم شبه مؤكد لحصوله على بطاقة الجمهوريين للترشح في الانتخابات الرئاسية ٢٠١٦.

بضاعة ترامب الوحيدة، بجانب ذكوريته التي لم تفقد جاذبيتها المريضة بين رافضي المساواة بين المرأة والرجل، هي نشر الخوف من الغريب / الآخر والادعاء الساقط أخلاقيا وواقعيا بالقدرة على طرد الغرباء وتغييبهم عن المشهد المجتمعي، هي طرح حلول متهافتة لتحديات العولمة والتجارة العالمية والاعتماد المالي المتبادل بين الولايات المتحدة والقوى الاقتصادية الكبرى مفرداتها نظرة اقتصادية حمائية لن تسفر حال تطبيقها سوى عن الإضرار البالغ بالمصالح الأمريكية، هي كيل الاتهامات للنخبة السياسية والحزبية (الديمقراطية والجمهورية) في واشنطن بالفساد والضعف والتخلي عن المصالح الأمريكية وصياغة خطاب شوفيني لا مضمون له سوى استعراضات "القوة الذكورية" للسياسي ترامب التي ينقلها من "المضاجع الحافلة بالنساء" مرورا بشركاته "الناجحة دوما" إلى البيت الأبيض الذي سيأتي هو له "بالذكر البطل" القادر على قيادة الجيوش وضرب الأعداء والحنو على "أهله"، على الأمريكيين.

شيء من الخوف، شيء من الوعود الوهمية، شيء من اتهامات التآمر والخيانة؛ هذه الأشياء الثلاثة هي عدة الحكومات السلطوية للسطو على المجتمعات والدول في روسيا والصين ومصر، وبينهم الكثير من الأمثلة الأخرى. هي أيضا عدة السياسيين الغوغائيين لتصدر المشاهد الانتخابية في بلدان تتفاوت حقائقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشدة ويجمعها التنظيم الديمقراطي الذي يهددون هم بالقضاء على مقوماته، من ترامب في الولايات المتحدة مرورا بفيكتور أوربان في المجر ورجب طيب إردوغان في تركيا إلى الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة والعنصرية في فرنسا وألمانيا والنمسا وغيرهم من البلدان الأوروبية.

بالقطع تتفاوت حدود تمكن الخوف والوعود الوهمية ومقولات التآمر من المجتمعات والدول، بين تمرير وتبرير مظالم وانتهاكات واسعة حين تسطو الحكومات السلطوية مستغلة غياب سيادة القانون وتداول السلطة وبين دفع المشهد السياسي باتجاه اليمين المتطرف ثم الاصطدام بآليات سيادة القانون وتداول السلطة التي توفر للمواطن حماية من تغول الغوغائيين على حقوقه وحرياته. بالقطع تتفاوت الحدود، ونظل نحن ضحايا السلطوية في وضعية معاناة أشد من قسوة وعنف الأشياء الثلاثة.

هذه التدوينة نشرت في جريدة القدس العربي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.