المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

عن قيمتي إعمال العقل والفردية المهدرتين

تم النشر: تم التحديث:

السؤال هنا هو لماذا ينجرف الكثيرون بين ظهرانينا فيما خص القضايا العامة إلى إلغاء العقل، والامتناع عن إعمال ملكاته بحثا وقراءة وتفكيرا ومفاضلة بين الاتجاهات المختلفة؟ السؤال هنا هو لماذا يتخلى الكثيرون بين ظهرانينا طواعية عن فرديتهم التي لها أن تمكنهم من التعبير الموضوعي والمستقل عن الرأي بشأن القضايا العامة ويفضلون الانصهار في جموع ترفع يافطات الرأي الواحد، وتنزلق من ادعاء الصواب الخالص مرورا بادعاء احتكار الحقيقة الخالصة ونزع المصداقية عن كل من يختلفون معها إلى هاوية الغوغائية المتوحشة؟

إذا كانت النخب، حاكمة ومعارضة، تغري قطاعات شعبية واسعة بالالتحاق بالجموع ذات الرأي الواحد لكي تسهل السيطرة عليها وتوجيهها، فما الذي يبتغيه الناس أنفسهم من وراء ذلك؟ إذا كانت النخب ترى في تعميم إلغاء العقل والتخلي عن الفردية بين الناس السبيل إلى الحفاظ على مواقع النخب حكما ومعارضة بالرغم من الإخفاقات المتراكمة والعجز عن صناعة التقدم للبلاد، فما الذي يبتغيه الناس أنفسهم من وراء ذلك؟ ولماذا لا ينسحب البعض بعيدا عن جموع الرأي الواحد حين تتضح غوغائيتها، بل يواصلون الانصهار بداخلها ويتمسكون بإلغاء العقل والتخلي عن الفردية وكأنهما دين جديد؟

الإجابة الأولى الممكنة هي أن الكثير منا يعزفون عن إعمال العقل بشأن القضايا العامة، ويفضلون السير وراء غيرهم.

ربما هي ظروف الحياة القاسية التي تستنفذ طاقات وقدرات الناس في الأمور التي تخصهم وتخص أسرهم. ربما هو تعقد الكثير من القضايا العامة وصعوبة الإلمام بتفاصيلها. ربما هي الانطباعات المسبقة باستحالة بناء الرأي حول قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية دون "الخبراء والمتخصصين" الذين سرعان ما يصيرون كهنة المجتمعات المعاصرة والمتحدثين الحصريين باسم الحقيقة. ربما هو حكم الفرد الذي يزيف وعي الناس على نحو يجعلهم يسلمون بحتمية الاعتماد الأحادي على "البطل المنقذ" في إدارة شؤون الدولة والمجتمع والمواطن وبضرورة اعتناق الرأي الرسمي كصواب خالص. ربما هو تعاطف بعض الناس مع نخب المعارضة التي وإن واجهت حكم الفرد وادعت احيانا الالتزام بالحرية إلا أنها تريد أيضا استتباعهم ودفعهم باتجاه رأي واحد آخر.

في كافة هذه السياقات يختار الكثيرون بيننا الامتناع عن البحث والقراءة والتفكير في القضايا العامة، يختارون الامتناع عن طرح التساؤلات المشروعة والمفاضلة المستقلة بين الإجابات المطروحة، ينتهي بهم الحال إلى إلغاء العقل والتخلي عن فرديتهم والانصهار في الجموع.

الإجابة الثانية الممكنة هي أن الكثير منا يحتاجون للانصهار في الجموع لكي يكتسبوا هوية الانتماء إلى المكان وأهله، إلى الوطن وناسه، إلى المجموعات ومقولاتها الكبرى. وفي سبيل الهوية، ولأنهم لا يرون سبلا أخرى لاكتسابها، يقدمون العقل والفردية قربانا على مذابح الجموع ولآلهة الرأي الواحد.

البعض يذبح العقل والفردية للتماهي مع تعريف الهوية الوطنية الذي يصنعه حكم الفرد ويحدد وفقا له "معايير" الانضمام إلى جموعه (المواطنون الشرفاء، أهل الخير، المصريون). البعض الآخر يذبحهما من أجل الالتحاق بجموع الهويات البديلة أو المضادة (الثوريون، الديمقراطيون، المعارضون). البعض الثالث يتنازل عن إعمال العقل وعن الفردية لكي ينصهر في جموع مدعي الصواب الخالص واحتكار الحقيقة الخالصة، ويشارك معها في نزع المصداقية عن المختلفين.

في كافة هذه السياقات يختار الكثيرون بيننا التسليم بالمقولات الكبرى للجموع، يختارون عدم التوقف عن الركض وراء غوغائيتها خوفا من فقدان الهوية (الهوية المصرية، هوية الصف الثوري، هوية مقاومي السلطوية وحكم الفرد)، يختارون التماهي الكامل حتى عندما يدركون تناقض مقولات الجموع مع الحقائق والمعلومات وتعارضها مع الصالح العام، يختارون التورط في العنف اللفظي (وأحيانا في العنف المادي) لإسكات الأصوات الأخرى. بل أنهم، ولأن غوغائيتهم تحتاج دوما إلى ذبائح جديدة، يستدعون أشباه الحقائق وأنصاف المعلومات ويزعمون الاستناد إليها من جهة لاستكمال نزع مصداقية المختلفين معهم ومن جهة أخرى لإكساب جموعهم مصداقية زائفة.

تداخل الاحتمالان، عزوف الناس عن إعمال العقل واستعدادهم للتضحية بالفردية في سبيل هوية جماعية، في العديد من لحظات الجنون والصخب التي شهدتها مصر خلال الأعوام الماضية.

قبل كثيرون المقولات التبريرية لانتهاكات الحقوق والحريات سيرًا وراء من زعموا حتميتها لضمان الخبز والأمن. تماهى كثيرون مع معايير الانصهار في جموع "المواطنين الشرفاء"، فاقتنعوا بمقولات التآمر وجعلوا من كل معارضة سلمية لحكم الفرد وللسلطوية الحاكمة فعل خيانة للوطن ومصالحه العليا. ركض كثيرون خلف غوغائية الرأي الواحد، وسلموا بوجوب الامتناع عن معارضة الحاكم الفرد دفاعا عن الدولة وتماسكها وعن المجتمع وأمنه وعن المواطنين الشرفاء.

على الجانب الآخر، امتنع كثيرون من المنتمين لجموع الهويات البديلة عن إعمال العقل في القضايا العامة وأهدروا قيمة الحقيقة والمعلومة والتعبير الحر والمستقل عن الرأي في سبيل السير وراء من اختارتهم الجموع رموزا لها، إن باسم الثورة أو الديمقراطية أو المعارضة. ولم يتوقف هؤلاء عن الركض خلف الغوغائية المضادة والمكارثية المعكوسة (أي الغوغائية المعارضة التي تواجه غوغائية الحكم، ومكارثية من يرفضون السلطوية وحكم الفرد طلبا لسلطوية بديلة)، حتى حين ظهر بجلاء إلغائهما للعقل وتغييبهما للفردية وتناقضهما مع الثابت من حقائق ومعلومات. تورط كثيرون من المنصهرين في الجموع البديلة في استدعاء أشباه الحقائق وأنصاف المعلومات للترويج لمقولاتهم كصواب خالص وتجريد مقولات السلطوية وحكم الفرد من المصداقية كخطأ خالص أو لإلصاق اتهامات الخيانة وشق الصف الثوري والديمقراطي والمعارض بمن رفضوا الغوغائية. وهم بذلك مارسوا ذات نهج حكم الفرد، وقضوا على إمكانيات احترام الحقيقة الثابتة والمعلومة الموثوقة وقبول الرأي الآخر دون استعلاء يتبعه تسفيه.

وعلى الجانبين، لم يتورع البعض عن الحديث باسم العقل وهم يلغونه، باسم الفردية وهم يقضون عليها، باسم العلم وهم يغتالونه ويمتنعون عن مجرد البحث والقراءة والتفكير - يشغل التذرع الزائف بالعلم حيزا واسعا في لحظة الجنون والصخب المتعلقة بوضعية جزيرتي صنافير وتيران والتي تسيطر حاليا على الفضاء العام، وتتداول الجموع على اختلاف مواقفها عبارات مدعية من شاكلة "مؤسسات وأجهزة الدولة لديها العلم الشامل والمعرفة الكاملة وعلى من هم خارجها الصمت"، "قولا واحدا، ترسيم الحدود بين مصر والسعودية في القرار الجمهوري رقم ٢٧ لعام ١٩٩٠ خطأ علمي"، " قواعد القانون الدولي والمواثيق الدولية تلزم باللجوء إلى التحكيم بشأن الجزيرتين"، وغيرها.

أحسب أن هذه هي بعض التفسيرات الممكنة لانجراف كثيرين بين ظهرانينا في مصر إلى إلغاء العقل، والتخلي عن الفردية، والانصهار في الجموع المكارثية (حكما ومعارضة) التي تقضي على كل فرصة للانعتاق من الجنون والصخب.


هذه التدوينة نشرت في جريدة الشروق المصرية للاطلاع على المقالة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.