المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

بين جزع وحنين

تم النشر: تم التحديث:

جزع شديد ينتابني، كلما استبدت برأسي الظنون، وتراءت لي إقامتي الحالية بعيداً عن مصر كأمر واقع لن يقبل التغيير قريباً. جزع شديد ينتابني، فأنا لا قِبَل لي بسنوات ابتعاد تتراكم مجدداً ولا رغبة لديّ في إعادة اكتشاف قسوة الغربة التي خبُرتها جيداً فيما مضى. جزعٌ شديد ينتابني، فأنا لم أقدم هذه بلاد الجهة الأخرى من العالم؛ لكي أستقر بها ويعجزني الارتباط بالوطن وبمن هم به من أهل وأصدقاء وزملاء عن نسيان الأمل في العودة السريعة. جزع شديد ينتابني، فقد غادرت مصر في حال يتقلب بين الخوف وبين مقاومته (مقال عن الخوف ومقاومته، جريدة الشروق، في 18 يونيه 2015)، يراوح بين الشعور بالإرهاق وبين الإصرار على مواصلة الكتابة دفاعاً عن حقنا في العدل والحرية والمساواة.

أحن إلى أمي، أحن إلى زيارتها في قبرها. في صباح يوم الجمعة كان موعدنا الأسبوعي. في السيارة، تأتي عبر أثير إذاعة القرآن الكريم تلاوة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد لسورة الكهف، أو تلاوة أخرى للشيخ محمد صديق المنشاوي، أو تلاوة ثالثة للشيخ محمود خليل الحصري.

تنتهي التلاوة وأنا أمام القبر، أفتح الأبواب، أشرع في قراءة سورة الكهف وسورة يس وبعض قصار السور، أتذكر تفاصيل الحياة مع أمي وصوتها الذي لا يفارقني أبدا، أفكر في أبي.. وأدعو لهما بالرحمة كما ربياني صغيراً، أعد أبي بسَفر قريب إلى قبره في الصعيد، يعلُق في ذهني دعاء "اللهم آنسهما في وحشتهما"، أردده كثيرا.

أفتقد الأطفال الذين كانوا قد اعتادوا على وجودي مع أمي صباح الجمعة، واحترموا بمرور الوقت حقنا في شيء من الهدوء، وقبلوا الانتظار في صمت إلى أن تنتهي زيارتي ويطلبون مني ما كانت النظرات تكفي للإفصاح عنه. أفتقدهم جميعاً، وأفتقد أصواتهم هم أيضاً. منذ غادرت مصر في صيف العام الماضي، وأنا أكثر من الاستماع إلى تسجيلات سورة الكهف بصوت الشيوخ الثلاثة، وأحافظ على طقوس يوم الجمعة، وأخبر نفسي المرة تلو الأخرى أن الدعاء لأمي وأبي سيبلغهما من أي مكان.

غير أن الحنين إلى هذا المكان، الحنين إلى التواجد في هذا المكان دون غيره يكاد يفتك بي.

أستعيد لحظات ومواقف وحوارات اختزنتها ذاكرتي، وقرر ضميري الامتناع عن تجاهل مغزاها.

أرى بوضوح ملامح السيدة صاحبة العمر المتقدم التي استوقفتني بحي الدقي في محافظة الجيزة (تحديداً في شارع هارون القريب من جامعة القاهرة)، وسألتني عن مدى صدق الخبر المتعلق بسفر زوجتي إلى الولايات المتحدة الأميركية لكي تضع المولودة التي كنا ننتظرها آنذاك. وحين أبلغتها أن "الخبر" شائعة لا أساس لها من الصحة، وأن "بسمة" هنا وأن الوضع سيكون في مصر، ابتسمت وقالت؛ دون هذا، ما كنت لأحترمك بعد اليوم، أو أثق بك أبداً مجدداً. أنت لك ولدان في الخارج، وازدواج جنسياتهما يعد شأناً طبيعيًّا. أما ابنتك فينبغي أن تولد هنا شأنها شأن أبناء أولادي وشأن غيرهم من الأطفال الذين تقول إنك تريد لهم مستقبلاً أفضل.

أرى الآن بوضوح ملامح سائق التاكسي السكندري الذي تبادل معي في زحام مدينته الجميلة (حي الشاطبي، بجوار مدرسة سان مارك) حديثاً ممتعاً كانت بدايته تساؤله الطريف عن "أسباب قدومي إلى الإسكندرية بعد أن منعتني السلطات المصرية من السفر" (منعت من السفر طوال عام 2014)، ونهايته تمنيات طيبة من الرجل لي بالصبر والتوفيق وعدم استوحاش طريق الحق.

أرى الآن بوضوح ملامح النادل في المطعم القاهري الذي ذهبت إليه للقاء بعض الأصدقاء وترددت على ألسنتنا عبارات اليأس والقنوط بسبب هيستيريا الظلم والقتل والقمع والعقاب الجماعي في مصر، بسبب الوهن البين للمدافعين عن الديمقراطية وعن الحقوق الحريات، بسبب المحدودية البالغة لمن يتابعون ما نكتب بعد أن شوهتنا جميعاً "الأذرع الإعلامية" للحكم السلطوي وألصقت بنا زيفاً اتهامات الخيانة والعمالة. جلسة "الندب الذاتي" التي كنا بها لم يقطعها سوى قدوم النادل إلى طاولتنا، وتوجيهه كلامه إليّ مؤكداً على أنه يقرأ مقالاتي بصورة يومية ويقرأ مقالات العدد القليل من الكتاب الآخرين الذين يتبنون الدفاع عن الديمقراطية، ومشددا على أنه ليس الوحيد في محيطه الأسري والمهني الذي يفعل ذلك. توقفت جلسة الندب فوراً، انفرجت أسارير الحضور، عاد شيء من الأمل في استعادة مصر ممن تلاعبوا بمصائر المواطن والمجتمع والدولة وما لبثوا يستهينون بمعارضيهم ويفرضون الخوف ديدناً للناس، ويدعون إفكاً أن الرأي الواحد والصوت الواحد هما صنو ضرورة وطنية لا فكاك منها.

يفتك بي الحنين إلى لحظات ومواقف وحوارات مشابهة، إلى مصادفات تمكنني مجددا من رؤية السيدة والسائق والنادل والاستئناس برأيهم، ومصر بها ما بها من مواطن مرهق ومجتمع ينزلق إلى المزيد من العنف ودولة تنزع عن مؤسساتها وأجهزتها الثقة الشعبية وتتراكم مظالمها وانتهاكاتها.

أفكر في طلبتي في قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الذين لم أتمكن من التدريس لهم منذ صيف 2013 سوى لبضعة أسابيع معدودة في 2015، فقد مُنعت من التدريس في الجامعة الحكومية قبل أن أُمنع من السفر ولم أحصل (كالعادة) على إفادة رسمية تنص على المنع لا في هذا السياق ولا ذاك. أفكر في طلبتي في الجامعة الأميركية الذين كان العمل معهم أثناء دراستهم لماجستير السياسة العامة بمثابة "منحة عقل ورشادة وسكينة" في مواجهة اللاعقل المسيطر على الفضاء العام وفي مواجهة عناصر الهيستيريا والضجيج والصخب التي تعصف بنا جميعاً. أتذكر نقاشات قاعات الدرس وحوارات ما بين جلسات العمل، ويعتصرني الألم على طاقات شابة تهمش في أحسن الأحوال المصرية الراهنة وتقمع في أردئها وعلى وطن تضيع منه فرص التقدم، ويعتصرني ألم أشد على ابتعادي.

لا قبل لي لا بتحمل الجزع إزاء احتمال استمرار الإقامة في الخارج، ولا بالسيطرة على الحنين إلى قبر أمي وإلى الاقتراب ممن هم أهلي وناسي وأصدقائي وزملائي وطلبتي. لا رغبة لدي في سنوات ابتعاد جديدة، لا رغبة لدي في الحياة في هذه الجهة الأخرى من العالم، لا رغبة لدي في خوف ينتصر على مقاومتي له أو يلغي حبي للوطن وإيماني بحقنا في العدل والحرية والمساواة.

هذه التدوينة نشرت في جريدة القدس العربي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.