المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

نقاش لا إجابات نهائية به

تم النشر: تم التحديث:

بعيداً عن كثير الانحطاط والافتئات الذي حوته مقالات صحفيي "الأذرع الأمنية" الذين "أُمروا" بالتعقيب على المقال الذي كتبته بالاشتراك مع مايكل ماكفول ونشرته في ٢٩ يناير ٢٠١٦ صحيفة "الواشنطن بوست" تحت عنوان "كيف يمكن إنقاذ مصر؟"، جاء مقال الدكتور عبدالمنعم سعيد في عدد ٧ فبراير ٢٠١٦ لصحيفة "المصري اليوم" والمعنون "مبادرة د. عمرو حمزاوي" طارحاً لملاحظات حول الحالة المصرية تستحق النقاش ولأفكار بشأن قضايا الحكم والأمن والحقوق والحريات يجدي الاشتباك معها.

ولست في تناولي لمقال د. سعيد الذي ستحمله صياغات وعبارات النقاط التالية براغب في التورط في الطريقة الاستعلائية البائسة "للرد على فلان" التي تسفّه من الرأي الآخر. ولست أيضاً بباحث عن وأد نقاش يكاد يبدأ بين مختلفين في الرأي بشأن قضايا مصيرية للمواطن وللمجتمع وللدولة في مصر. وجيد حتماً ومفيد أن يتواصل مثل هذا النقاش ويتعمق نزوع المشاركين به باتجاه قبول التنوع واحترام الاختلاف في الرأي، وكذلك إجلاء حقائق الحالة المصرية دون تجميل أو مواربة.

أولاً: وصف د. سعيد الأفكار التي ضمتها كلمات مقال "كيف يمكن إنقاذ مصر؟" بالمبادرة التي تأتي في إطار سيل من المبادرات الباحثة عن إخراج مصر من "أحوال" لا تعجب الكثير من مواطنيها. والحقيقة هي أنني، ومع كامل احترامي لمن يعلنون هذه الأيام عن مبادرات دون أن يكون لديهم آليات محددة لتفعيلها أو سبل واضحة للتواصل مع الأطراف المعنية بها، لم أرَ أن أفكار المقال تستحق أن يطلق عليها "مبادرة" وإلا لكنت وصفتها كذلك.

فمن جانب، لا يملك أكاديمي لا دور سياسياً له اليوم، وهذه هي وضعيتي، آليات لتفعيل الأفكار التي يطرحها على أرض الواقع. كما أنني لست على تواصل مع أطراف الصراع على السلطة في مصر، إن باتجاه الحكم والمعارضة أو باتجاه المجموعات التي اصطلح على تسميتها "القوى والأحزاب المدنية" وشاركت منذ صيف ٢٠١٣ في "النظام الجديد" الذي تأسس على أنقاض الإجراءات الديمقراطية وبررت طويلاً للمظالم والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والحريات أو تعاملت معها بمعايير مزدوجة.


من جانب آخر، لديّ قناعة سجلتها مراراً خلال العامين ونيف الماضيين بكون السياسة أُميتت في بلادنا بفعل الطبيعة السلطوية للحكم وسطوة الأمني على إدارة الشأن العام. ومن ثم يستحيل تطوير أفكار لحل الأزمات المستحكمة وإخراج البلاد من أحوالها التي لا تعجبنا إلى مبادرات فعالة وجادة ما لم تتوافق إرادة "النظام الجديد" على إيقاف المظالم والانتهاكات وإحياء المجال السياسي بعد موات. وتلك أراها مسؤولية منفردة لمراكز النفوذ وصنع القرار داخل النظام الجديد، تحديداً المكون العسكري-الأمني، التي اندفعت منذ صيف ٢٠١٣ لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء في مصر.


ثانياً: أشار د. سعيد في الأسطر الأولى من مقاله إلى ما يفيد الاعتراض على عنصري "الصحبة ومكان النشر" اللذين تخيّرتهما لمقالي، وعن "الصحبة" كتب أن مايكل ماكفول قُدم بكونه من إدارة باراك أوباما. والحقيقة هي أن "كيف يمكن إنقاذ مصر؟"، والمقال متاح على موقع "الواشنطن بوست"، يقدم د. ماكفول كأكاديمي متخصص في العلاقات الدولية بجامعة ستانفورد عمل سابقاً في مجلس الأمن القومي التابع للرئاسة الأمريكية في فترة الإدارة الأولى لأوباما، وشغل سابقاً منصب السفير الأمريكي لدى الاتحاد الروسي.

ويعلم د. سعيد أن انتقال الأكاديميين الأمريكيين المتخصصين في السياسة والعلاقات الدولية بين الجامعات ومراكز الأبحاث وبين العمل التنفيذي في دوائر الحكم يمثل ظاهرة اعتيادية في الولايات المتحدة. العمل المشترك مع د. ماكفول في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون بجامعة ستانفورد هو الذي شجع بمفرده على "الصحبة" والكتابة المشتركة.

أما صراخ صحفيي "الأذرع الأمنية" عن دور "لإدارة أوباما" في كتابة المقال وعن أدوار "لأجهزة استخباراتية" فليس سوى هراء هؤلاء المعتاد وحديثهم المتهافت عن "المؤامرات والأجندات" وتشويههم الظالم لكل صوت مصري معارض. وأربأ بد. سعيد - وهو الباحث القدير - أن يكون عرضه المختزل لهوية "صحبتي" في المقال اقتراباً من مثل هذه الترهات.

تماماً كما لم أفهم الإشارة السلبية إلى صحيفة "الواشنطن بوست" التي تنشر بانتظام مقالات متنوعة التوجهات عن الحالة المصرية. ولم يكن من قبيل "المصادفة التحريرية" بها أن نُشر في نفس يوم نشر "كيف يمكن إنقاذ مصر؟" مقال للكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس تحت عنوان "كلينتون كانت محقة في رؤيتها لمصر"، ينتقد فيه إدارة أوباما لسطحية تعاملها مع مصر، ودعمها الساذج للديمقراطية على حساب الأمن والاستقرار (علماً بأنني لا أرى أن إدارة أوباما دعمت الديمقراطية في مصر بجدية تستحق أن تذكر).

وقد "احتفت" صحيفة المصري اليوم بمقال إغناتيوس ونشرته مترجماً إلى اللغة العربية، وكذلك شاركت في الاحتفاء وسائل إعلام مصرية كثيرة وظفت المقال كدليل على "عودة وعي" باتت قريبة للسياسة الأمريكية بشأن مصر بعد أن تخلصت من "أوهام الديمقراطية" وقضايا "الحقوق والحريات" التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

ثالثاً: في متن مقال د. سعيد أكثر من ملاحظة وفكرة واجبة النقاش. منها أن طرح أفكار لإخراج مصر من أحوالها التي لا تعجبنا ينبغي أن لا يقتصر على الدفع بمطالبات أحادية باتجاه الحكم بينما تجلس المعارضة على مقاعد المتفرجين إلى أن "تنصلح" الأحوال.

والحقيقة هي أنني أجد نفسي متفقاً مع جوهر هذه الملاحظة المتمثل في المسؤولية المشتركة للحكم والمعارضة، شريطة أن يسبق تقاسم المسؤوليات اضطلاع الحكم بمسؤوليته المنفردة في إيقاف المظالم والانتهاكات التي يرتكبها منذ صيف ٢٠١٣ ويعيد إحياء السياسة التي أماتها.

وقد فصلت مع د. ماكفول في مقال "كيف يمكن إنقاذ مصر؟" في مضامين مسؤولية الحكم المنفردة، واقترحنا كإجراءات ١) الإفراج عن المسلوبة حريتهم لأسباب سياسية أو بسبب تطبيق قوانين صريحة السلطوية يتعين تغييرها كقانون التظاهر، ٢) اعتماد منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية تنتصر لسيادة القانون وتجبر الضرر عن الضحايا وتحاسب اليوم وغداً المتورطين في المظالم والانتهاكات وتنهي قدرتهم على الإفلات من العقاب، ٣) البحث في سبل إجراء انتخابات برلمانية مبكرة لا تديرها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتجردها بالتبعية من كل العناصر الأصيلة في المشاهد الانتخابية الجادة مثل المنافسة الحرة وحق المواطن في الاختيار الحر بين بدائل (أحزاب وأفراد) دون خوف.

ولا يخلط إجراء الإفراج عن المسلوبة حريتهم سياسياً وبفعل قوانين سلطوية بينهم، وأعدادهم تتراوح تقديراتها من ٤٠ إلى ٥٠ ألف مصرية ومصري، وبين القابعين وراء الأسوار لتورطهم في أعمال إرهاب أو عنف. وتعني منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية جبر الضرر عن ضحايا التعذيب والاختفاء القسري والمعاملة غير الإنسانية، وتعويض أسر ضحايا العنف الرسمي في فض الاعتصامات وفي ممارسات القتل خارج القانون، والمحاسبة القانونية المنصفة والناجزة للمتورطين في المظالم الانتهاكات دون تمييز على أساس المنصب الرسمي أو الحظوظ من السلطة والنفوذ.

غير أن منظومة كهذه للعدالة الانتقالية تنهض أيضاً على محاسبة منصفة وناجزة للمتورطين في الإرهاب والعنف الأهلي تحريضاً وممارسة دون مساومة أو تأجيل. ولا شك لديّ في كون د. سعيد يدرك إدانتي الشاملة لكافة جرائم الإرهاب والعنف، ورفضي لجميع المحاولات الفاسدة لتبريرها، وقناعتي بحتمية تحالف المواطن والمجتمع والدولة في مواجهة للإرهاب والعنف تستهدف اقتلاعهما من مصر بمزيج من الأدوات الأمنية والأدوات المجتمعية والتنموية والسياسية، وفي إطار احترام ضمانات حقوق وحريات المواطن والامتناع عن ممارسات العقاب الجماعي الكارثية.

ويستحيل إنكار التشويه الذي ألحقته سيطرة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية على مشهد الانتخابات البرلمانية ٢٠١٥ بمجلس النواب الذي لا يعبر عن الأوزان الفعلية "للقوى السياسية" في مصر، كما يرى د. سعيد، بل يترجم سيطرة أجهزة الأخ الكبير وطبيعة التحالفات داخل تركيبة الحكم التي يحضر بها المكون العسكري-الأمني والنخب الاقتصادية والمالية والجهاز الإداري الدولة وبعض المصالح الحزبية الموالية للحكم.

على هذا النحو صنع المجلس التشريعي الحالي، وحتماً ستتغير هويته وطبيعته ما إن نتمكن من إبعاد الأجهزة عن السيطرة على الانتخابات، وننظم دور المال السياسي، ونقر قواعد عادلة وشفافة للمنافسة بين الأحزاب والأفراد، وتجرى من ثم عمليات انتخابية حقيقية لا تعزف أغلبية الناس عن المشاركة بها.

وحال تنفيذ هذه الإجراءات، والتنفيذ مشروط باعتراف الحكم "بأحوال البلاد التي لا تعجب الكثيرين" وبتبلور إرادة للتغيير والابتعاد عن حافة الهاوية التي نقف عليها اليوم مواطناً ومجتمعاً ودولة، تنتهي المسؤولية المنفردة للحكم وتبدأ مراحل متعاقبة من تقاسم المسؤوليات بين الحكم والمعارضة، بين المؤسسات النظامية والمؤسسات المدنية داخل بناء الدولة، بين الدولة والمجتمع المدني، بين الفاعلين السياسيين والفاعلين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية بالغة الأهمية.

هنا، دون مساومة أو مواربة أو رمادية، لا ينبغي تمكين قوى وحركات تخلط بين الدين والدولة أو تنتقص من مواطنة الحقوق المتساوية بسبب الهوية الدينية والمذهبية أو تروج لخطاب كراهية ضد المختلفين معها أو تتورط في العنف اللفظي والمادي من المشاركة في حياة سياسية يراد لها التنوع والتسامح والسلمية.

لذلك، لم تكن خلفية الإجراء المقترح في مقال "الواشنطن بوست" بشأن تمكين كل الأطراف الملتزمة بالفصل بين الدين والدولة وبنبذ العنف من المشاركة في السياسة هي التمهيد لما سمّاه د. سعيد "التصالح مع الإخوان"، بل كانت التأكيد على أن تفعيل مسؤولية القوى والحركات الراغبة في المشاركة السياسية في هذه السياقات سيغير جذرياً من هوية وطبيعة الإخوان والسلفيين والجماعات الدينية الأخرى، ومن ثم لن يبقي أبداً على وضعيتها الراهنة.

هنا، أيضاً دون مساومة، يتعين طرح قضية الصياغة الديمقراطية للعلاقات العسكرية-المدنية، وبصورة أشمل ملفات العلاقات بين المؤسسات النظامية والمدنية داخل بنية الدولة المصرية. وكذلك لا بديل عن إعادة النظر في العلاقة بين نظام الحكم والدولة التي استقرت منذ ١٩٥٢ على استتباع الأول للثانية، وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني التي استقرت على سلطوية تفرض الدولة بمقتضاها إرادتها على فعاليات المجتمع الحرة والطوعية، وفي العلاقة بين الدولة والمواطن التي استقرت على إخضاع المواطن قمعاً وتعقباً وتهديداً وتزييفاً للوعي ووصاية، ولم تكن حصيلتها غير إفقاد جمهورية يوليو ١٩٥٢ - وهي لم تزل حية ترزق - لشرعية القبول الحر من جانب المواطن والرضاء الطوعي من قبل الشعب.

هنا دولة العدل التي أتمناها لبلادي، ومجتمع الحرية الذي طال التوق إليه، والمواطن الفرد مصون الكرامة والحقوق والحريات القادر على صناعة التقدم لمصر.

أتمنى أن يتواصل النقاش. لا حقائق مطلقة ولا إجابات نهائية تحملها الأسطر السابقة، فقط أفكار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.