المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

أكثر من شيء من الخوف

تم النشر: تم التحديث:

ومن بين المظاهر الراهنة لخوف "جمهورية الخوف" المصرية، تلك التي أعادها إلى الوجود المكون العسكري-الأمني في صيف 2013 وتعتاش عليها السلطوية الحاكمة، تأتي في الواجهة الحملات المتكررة لإلقاء القبض على طلاب وشباب وصحفيين وعمال ونقابيين، وإيداعهم في أماكن الاحتجاز دون اتهامات محددة ولمدد زمنية غير معلومة سلفا. فمثل هذه الحملات، ومعها يتسع نطاق القمع على نحو غير مسبوق وتصل أرقام ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان إلى معدلات غير مسبوقة، تدلل بوضوح على وضعية الخوف من المجتمع والتوجس من الناس التي تسيطر على الحاكم وأعوانه.

خلال الأيام القليلة الماضية، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على عدد من طلاب الجامعات المصرية والشباب المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين (في مدينة الإسكندرية وحدها أكثر من 70 طالبا وشابا، وفقا لمعلومات تداولتها شبكات التواصل الاجتماعي). أوقف الأمن أيضا بعض أعضاء حركة شباب 6 إبريل الذين اقتيدوا من منازلهم في مداهمات ليلية (عودة ظاهرة زوار الفجر)، وكعادتها لم تعلن وزارة الداخلية عن احتجازهم إلا بعد أن تداولت مبادرات الدفاع عن المسلوبة حريتهم (كحملة الحرية للجدعان) أسماءهم وسجلت شهادات ذويهم عن غيابهم.

كذلك، وبعد حبس الصحفي هشام جعفر (صاحب التاريخ المهني الناصع في موقع إسلام أون لاين، والمتمسك بالعمل السلمي في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان وبفكرة الجماعة الوطنية الواحدة المستندة إلى المساواة والحرية) والصحفي إسماعيل الإسكندراني (الباحث في شؤون سيناء والذي أوقفه الأمن المصري عند عودته من الخارج لعيادة والدته المريضة)، تواصل إلقاء القبض على صحفيين مثل الشاب محمود السقا الذي "اختفى" في بدايات الشهر الجاري لعدة أيام ثم ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا محبوسا احتياطيا بتهمة الانضمام إلى "جماعة أسست على خلاف القانون تسمى حركة شباب 25 يناير" والدعوة إلى التظاهر في 25 يناير/كانون الثاني القادم.

مع تصاعد النشاط الاحتجاجي للعمال وللموظفين في القطاعين العام والخاص (وفقا لمؤسسة مؤشر الديمقراطية، وهي منظمة غير حكومية عاملة في مصر، بلغ عدد الاحتجاجات العمالية واحتجاجات المهنيين 1117 احتجاجا في 2015)، امتدت يد القمع الأمني إلى قيادات عمالية ونقابية مستقلة كان أبرزهم سعيد شحاتة العامل بشركة "بوليفار للغزل والنسيج" في الإسكندرية والذي ألقي القبض عليه في نهاية الأسبوع الماضي. قبل أيام قليلة، داهمت عناصر شرطية منزل الطبيب طاهر مختار، عضو لجنة الحريات في نقابة الأطباء، وأوقفته هو وطالبين جامعيين كانا برفقته وأحالتهم جميعا إلى تحقيقات قضائية في مدينة القاهرة. وفي تصريحات صحفية، أشار محامي الطبيب إلى أن "الاتهامات" الموجهة إليه تتعلق ببيان للجنة الحريات التابعة لنقابة الأطباء يتناول قضية "الحق في الصحة في أماكن الاحتجاز"، وبسابق مشاركته في ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وفي تظاهرات أخرى.

تعول الأجهزة الأمنية، وهي تقمع دون توقف لكي تقضي على كل فرصة للحراك السلمي لمعارضيها أو للمتضررين من مظالمها وانتهاكاتها، على قاعدة الحبس الاحتياطي التي ألغي من المواد القانونية المنظمة لها السقف الزمني النهائي للاحتجاز دون إجراءات تقاضي (تم الإلغاء في 2013). وتعول أيضا على الحشد الإعلامي المؤيد للسلطوية الحاكمة والمبرر زيفا لانتهاكاتها كأفعال "ضرورة" لحماية الدولة والاستقرار والأمن القومي، ذلك الحشد الهيستيري الذي توظف لإنتاجه وللإبقاء عليه القنوات التلفزيونية العامة والخاصة (الأذرع الإعلامية) وأغلبية الصحف. على الرغم من ذلك، يُظهر القمع المفتوح للكثير من المصريات والمصريين حقيقة خوف الأجهزة الأمنية والسلطوية الحاكمة من ورائها منهم ومن انتفاضات غضبهم المحتملة -ولسان حال الناس هنا يقترب بشدة من معادلة قمع يومي يساوي خوفا يوميا. كما أن القمع المفتوح يجرد السلطوية الحاكمة من القدرة على ادعاء حضور "التأييد الشعبي الكاسح" ويهبط بالحاكم من مصاف "الأبطال المنقذين" إلى "يوميات القمع" من أجل البقاء في الحكم.

فإذا أضيف إلى القمع المفتوح الاعتماد الفاضح للسلطوية الحاكمة في مصر على المؤسسات الدينية الرسمية والرموز الدينية الموالية كماكينات لإصدار فتاوى وآراء تحريم التظاهر وتجريم الحراك السلمي واستعادة مفردات "إثم الخروج على الحاكم" البالية، يتضح مدى خوف "جمهورية الخوف" من المجتمع وتوجسها من الناس.

قبل أيام قليلة، أصدرت دار الافتاء فتوى "حرمانية التظاهر في 25 يناير/كانون الثاني"، والتي وصفت التظاهر كجريمة واتهمت الداعين إليه بالتآمر والتخريب. ثم عممت وزارة الأوقاف "الفتوى المفيدة" على كافة المساجد كموضوع موحد لخطبة صلاة الظهر يوم الجمعة الماضي. أما الكنيسة الأرثوذكسية، والتي يفترض بها هي أيضا الابتعاد عن قضايا الحكم والسلطة والامتناع عن الإفصاح عن تفضيلات سياسية، فلم تتردد خلال الأيام الماضية في إظهار تأييدها المطلق للحاكم وأعوانه، وتطوعت بإسباغ الصفات الإيجابية على أفعاله، وتماهت مع الخطاب الحكومي الرسمي الموصف لتنظيم ملهاة الانتخابات البرلمانية ولانعقاد "برلمان تمرير قوانين وقرارات رئيس الجمهورية" كإنجاز للخطوة الأخيرة في بناء نظام سياسي عصري وديمقراطي! وسبق المؤسسات الدينية الرسمية إلى تحريم التظاهر وإلى مطالبة الناس بطاعة "ولي الأمر" عتاة شيوخ السلطان الذين عادوا للخروج على الرأي العام بذات المفردات التي وظفوها في محاولة لنزع الشرعية عن ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وللإبقاء على الرئيس الأسبق مبارك، الخروج على الحاكم حرام شرعا/التظاهر ضد ولي الأمر إثم شرعي (كمثال واضح تصلح تصريحات الشيخ محمد حسان إبان ثورة 2011 وتصريحاته قبل أسابيع قليلة، في الأولى حرم الخروج على الرئيس الأسبق وفي الثانية حرم الخروج على الرئيس الحالي).

غير أن اعتماد السلطوية الحاكمة، صاحبة الادعاءات الكثيرة بشأن إنقاذها لمصر من كارثة الحكم الديني وبشأن الفصل بين الدين والدولة، على المؤسسات الدينية الرسمية وعلى شيوخ السلطان لضبط المجتمع يدلل على مبلغ خوفها من أي حراك سلمي محتمل واستعدادها لتوظيف كل الأدوات المتاحة للإبقاء على الناس إن في مواقع التأييد الهيستيري الحاكم أو في خانات الصمت والعزوف والامتناع عن طلب التغيير.

وفي الجانب الآخر يقف الطلاب والشباب والصحفيون والعمال والنقابيون، ومعهم قطاعات شعبية أخرى، يطالعون مشهد "جمهورية الخوف" الخائفة. يرصدون قمعها المفتوح وتوظيفها للدين، فيتحررون من ترهيب الأول بعد أن صار ظاهرة اعتيادية ويتندرون على تهافت الثاني بعد أن تقلبت المؤسسات وتقلب شيوخ السلطان بين الأضداد (الموقف وعكسه) دون كلل أو ملل. يدركون أن الحراك السلمي بهدف الانعتاق من السلطوية قادم لا محالة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.