المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

عالم الرجال أقوياء الشكيمة

تم النشر: تم التحديث:

باتت اللغة الذكورية تطغى على الحديث العلني لمؤيدي السلطوية الحاكمة في مصر.ولم يعد من غير المألوف أن توظف إعلاميا المقولات البدائية عن "الرجل الذكر"، "قوي الشكيمة"، "صاحب اليد غير المرتعشة" في مديح الحاكم واختياراته لوزرائه ومعاونيه.

ولم يعد نادرا أيضا أن تصب اللعنات على معارضيه وتشوه أدوارهم باستخدام مفردات بالية من شاكلة "المخنثين" وإيحاءات جنسية إن بالمجون أو بالمثلية لكي ينتقص في نظر العامة من "رجولتهم" المعرفة بدائيا.

ومن ثم يحال المعارضون إلى خانات "لابسي الطرح" ومنزوعي الكرامة، أو يصنفون بالقرب من مواقع النساء اللاتي ينتظر منهن في عالم الرجال الحقيقيين "أقوياء الشكيمة" الاضطلاع بدور وحيد هو الإذعان دون نقاش.

والمريب أن طغيان اللغة الذكورية بمكونيها المادح للحاكم والذام في معارضيه يحدث، بينما السلطوية تسجل رفضها للبطولات الفردية وتدعي استنادها إلى خليط من "الوطنية ووحدة الصف والعمل الجماعي والإنجازات الحقيقية" لضمان تأييد الناس لها وكشف "خواء معارضيها" بموضوعية ودون كيل للاتهامات.

والمريب أكثر هو أن المقولات الذكورية التي تضع "الرجل الذكر" دون غيره في مركز القوة والسلطة وصنع القرار ، والمفردات البالية والإيحاءات الجنسية التي تشوه المعارضين وتنتهك كرامتهم تروج بشأنهم لخطاب كراهية مقيت، والتصنيفات المريضة التي لا ترى للنساء من دور سوى الإذعان تحاصرنا، بينما السلطوية تزعم اعتمادها توجها حداثيا يروم المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في الحقوق والحريات والفرص والمشاركة العامة.

والمريب أكثر وأكثر هو أن عديد الأصوات النسائية الحاضرة في الحياة العامة وفي المساحات الإعلامية توظف ذات اللغة الذكورية تماهيا مع الحاكم وإسهاما في مديحه وذما في معارضيه.
وحين تكون مثل هذه الأصوات النسائية المتقمصة لهوية "الرجل الذكر" هي المعتمدة رسميا للدفاع عن حقوق وحريات المرأة، فإن فصول مأساة طغيان اللغة الذكورية تكتمل.

يسترعي الانتباه أيضا أن بعض المفكرين والكتاب من مدعي التوجه الحداثي ومن مؤيدي السلطوية الحاكمة باعتبارها مصريا البديل الوحيد للاستبداد الديني لا يستكنفون استخدام مقولات ومفردات وإيحاءات اللغة الذكورية لنزع المصداقية عن آراء من يختلفون معهم من رافضي مقايضة سلطوية باستبداد.

في عالم ذلك النفر من المفكرين والكتاب، يصبح الاهتمام بحقوق الإنسان والحريات "دليلا" على "التخنيث" أي غياب هوية "الرجل الذكر" القادر على إعطاء الأولوية القصوى لصون الوطن وحماية الدولة وتحقيق الأمن والممتنع عن الالتفات إلى "صغائر الأمور" - وتلك تغدو حقوقنا وحرياتنا كمواطنات ومواطنين.

أما أعمال توثيق وإدانة الانتهاكات والمطالبة بمساءلة ومحاسبة المتورطين فتتناقض مع الاحترام والتقدير الواجبين "للرجال أقوياء الشكيمة" الذين خلصوا البلاد من كابوس الاستبداد الديني.

ومعارضة الاعتماد الأحادي على الحلول العسكرية والأمنية لمواجهة الإرهاب، والتشديد على ضرورة التزام سيادة القانون، والدعوة إلى الانفتاح على معالجات اقتصادية واجتماعية وسياسية لشري الإرهاب والتطرف فتقوم مجتمعة كتعبير مباشر عن "ارتعاش اليد" الذي لا يليق "بالرجال الحقيقيين"، بل ولا يليق بالمذعنات من النساء.

في الجوهر، لا يختلف هنا تورط ذلك النفر من المفكرين والكتاب المصريين في استخدام اللغة الذكورية لنزع المصداقية عن آراء رافضي السلطوية عن تورطهم هم وغيرهم الأسبق زمنيا في التخلي عن المفاهيم الديمقراطية والليبرالية التي رفعوا شعاراتها طويلا، وأسقطوها بدعمهم لتدخل المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم وتأييدهم الخروج على عملية التحول الديمقراطي في صيف 2013.

في الجوهر، تحضر هنا أيضا أصوات نسائية تتقمص هوية المفكرين والكتاب الذكوريين من مدعي التوجه الحداثي وتعيد إنتاج مقولاتهم ومفرداتهم وإيحاءاتهم المنتهكة لكرامة المعارضين والمشوهة لأدوارهم والقائمة على اغتيالهم المعنوي، بالقطع دون تدبر جاد أو مستقل في كرامة المرأة التي تنتهك بالتبعية وفي دورها الذي يهمش مجددا. في الجوهر، تتطابق كراهية الذكوريين (والذكوريات إذا جاز التعبير) من مؤيدي السلطوية الحاكمة في مصر لقيم الحق والحرية والمساواة مع كراهية عامة لذات القيم استوطنت أرض مصر منذ أن أخفقت تجربتها الديمقراطية الأولى في 1952.

ليست الذكورية إلا مرض عضال يصيب المجتمعات التي تعاني من شر السلطوية، ولا شفاء من المرض إلا بالانعتاق من الشر المسبب له.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.