المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

طبائع استبداد متشابهة وخدمة سلطان بأدوات واحدة

تم النشر: تم التحديث:

ولأن طبائع الاستبداد العربي تتشابه وأدوات خدمة السلطان في بلاد العرب تتطابق، ألفي نفسي مجددا في مواجهة حملات اغتيال معنوي تروج الإفك وتنشر الأكاذيب وتعتدي على خصوصيات الأهل والحياة الشخصية في سقوط أخلاقي وإنساني مريع.

في 23 أكتوبر / تشرين الأول الجاري نشرت جريدة خليجية "مقالا" تحت عنوان "عمرو حمزاوي.. أخذه العسكر لحما ورموه عظما!" حمل الكثير والكثير من صنوف الإفك بشأن مواقفي من قضايا الحكم والسلطة في مصر، والكثير والكثير من الأكاذيب والافتراءات ومحاولات التشويه والاختزال البائسة لكتاباتي خلال السنوات الماضية، والكثير والكثير من الاعتداءات على حياتي الشخصية التي تنتهك كرامة أسرتي وكرامتي.

ومن بين ما جاء في "المقال" هذا، وسمحت إدارة التحرير في الجريدة المشار إليها والتي يترأسها اسم أميري بطباعته ونشره ووضعه تحت نظر القراء، كان الإفك التالي الذي وضعه "كاتب" "المقال" على لساني وقدمه بوصفه "أم مواقف حمزاوي المشينة"، زاعما إنني عندما سئلت إذا ما كنت سأسمح لزوجتي بسمة في أفلامها أن يقبلها أحد أجبت بموافقتي على "التقبيل" بشرط أن لا يكون "المقبل" مصابا بأمراض معدية. وأنهى "كاتب" "المقال" إفكه بجملة ذكورية بامتياز ذهبت صياغتها في اتجاه "بالفعل، زوجته وهو حر فيها" أو في اتجاه قريب من ذلك.

لماذا أعجز الآن عن أن أنقل لكم النص الكامل للإفك الذكوري بشأن حبيبتي وزوجتي التي أعشق موهبتها الفنية وأتمنى لها مواصلة أعمالها والذهاب بإبداعها بعيدا؟ لماذا أعجز الآن عن أن أنقل لكم النص الكامل لإفك "كاتب" "المقال" الذي نشرته الجريدة الخليجية المعنية؟ لأن إدارة تحرير الجريدة، وبعد أن تواصل معها بعض المهتمين بالشأن العام في بلاد العرب وهالهم الاغتيال المعنوي الذي حمله "المقال" وعبروا عن صدمتهم، قررت في مسعى بائس لتجميل السقوط المهني حذف إفك "التقبيل" الذكوري من على موقعها الإلكتروني بينما أبقت على كل ما عداه من أكاذيب وافتراءات ومحاولات للتشويه منشورا.

ما هي مبرراتي في الاستناد إلى الاغتيال المعنوي من قبل جريدة خليجية لكي أدفع بتشابه طبائع الاستبداد وتطابق أدوات خدمة السلطان في بلاد العرب؟ هي، باختصار، ثلاثة مبررات. يتمثل أولها في سبق خدمة السلطوية الحاكمة في مصر وخدمة سلطوية اليمين الديني (السلطوية البديلة في الانتظار، المدعية دوما لاحتكار الحقيقة المطلقة والمتنصلة دوما من الجوهر الحر والتعددي للفكرة الديمقراطية) إلى الترويج لذات الإفك ولنفس الأكاذيب والافتراءات، ما أن عارضت السلطوية الحاكمة بسبب الخروج على الإجراءات الديمقراطية في صيف 2013 وبسبب جرائم القتل في فض الاعتصامات وبسبب المظالم والانتهاكات الواسعة للحقوق وللحريات وبسبب حكم الفرد وطغيان الأمني وإماتة السياسة، ولكوني عارضت سلطوية اليمين الديني حين استعلت على الشرعية الديمقراطية التي جاءت بها إلى مواقع الحكم والسلطة (انتخابات 2011 البرلمانية وانتخابات 2012 الرئاسية) وسعت إلى إدارة شئون العباد والبلاد وفقا للطريقة الوصائية لنظام الرئيس الأسبق مبارك. ومثل "كاتب" "المقال" في الجريدة الخليجية المعنية، لا تتورع طائفتي "الخدم" في مصر عن الاعتداء على الحياة الشخصية وامتهان الخصوصية بالترويج للإفك ونشر الأكاذيب، كما أن الطائفتين لا يمتنعان أبدا عن توظيف الشائعات والصياغات الذكورية لانتهاك كرامة المرأة-الحبيبة-الزوجة وانتهاك كرامة الرجل-الزوج.

أما المبرر الثاني فيتعلق بكون الجريدة الخليجية المعنية وثيقة "الارتباط العضوي" بالسلطوية الحاكمة في البلد الذي تصدر منه، وهي سلطوية تدعي الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية في عموم بلاد العرب بينما تعمل على فرض جدار الصمت بشأن المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات في أراضيها أو في أراضي السلطويات الخليجية الأخرى، وتزعم الابتعاد عن الممارسات العدوانية الإقليمية والتطهر من النزوع الطائفي (الثنائية المقيتة السنة في مواجهة الشيعة) في مجمل سياساتها بينما هي تتورط مع سلطويات أخرى في حرب ظالمة على اليمن وتختزل مصائب الاستبداد والحروب الأهلية ودوائر العنف والعنف المضاد التي تقمع تطلعات الناس إلى العدل في العراق وسورية في مقاربات طائفية قاصرة.

والشاهد هنا أن السلطوية الحاكمة المشار إليها أصبحت تعتاش على أدوار وسائل إعلام صحفية وإذاعية وتليفزيونية تتناول بتوسع قضايا الحقوق والحريات بعيدا عن الخليج، ويرفع بعض العاملين بها شعارات "ثورية" ويدعون حمل "أختام النقاء الثوري" طالما اتصل الأمر بالعراق وسورية ومصر وتونس وببلاد عربية أخرى، غير أنهم يلتحفون الصمت حين يسألون عن المظالم والانتهاكات في الخليج. والشاهد هنا أيضا أن السلطوية الحاكمة المشار إليها تنتظر من خدمتها الإعلاميين أكثر من الالتحاف بالصمت عندما تدور القضايا المطروحة حول ممارساتها وسياساتها الإقليمية التي يتعين من جهة تأييدها ومن جهة أخرى اغتيال معارضيها معنويا.

وقد سجلت في الآونة الأخيرة رفضي لتورط بعض وسائل الإعلام العربية في ثنائية تناول المظالم والانتهاكات بعيدا عن الخليج في مقابل الصمت على تفاصيلها في الخليج، وفي التبرير الفاسد للحرب الظالمة على اليمن التي تسقط آلاف الضحايا وتدمر البنى التحتية ومؤسسات الشعب الفقير ويستحيل أن تنتهي إلى منتصر صريح ومهزوم منهار، ورأيت في الأمرين دليلا جليا على سطوة الاستبداد والمال الخليجيين على وسائل الإعلام هذه وعلى قدرتهما على استتباع "خدمة سلطان" لا يختلفون أبدا عن خدمة السلطوية الحاكمة وخدمة سلطوية اليمين الديني في مصر مهما زعموا الثورية وتباروا في التلويح بأختام النقاء الثوري ودبجوا المقالات النارية التي أبدا لا تغادر المعايير المزدوجة أو تخرج على "النص المحدد سلفا" لتقترب من المظالم في الخليج أو لتقاوم التعتيم المفروض على القتل الجماعي في اليمن. لذلك، لم يفاجئني الاغتيال المعنوي الذي حمله "مقال" "الكاتب" في الجريدة الخليجية المعنية، فهو رد فعل مباشر على معارضتي لجدار الصمت المفروض على الاستبداد في الخليج وعلى الحرب الظالمة على اليمن ومسعى خائب لتشويه مواقفي الرافضة للاستبداد في مصر منذ صيف 2013.

ثم تأتي كمبرر ثالث للدفع بتشابه طبائع المستبدين وتطابق أدوات خدمة السلطان في بلاد العرب حقيقة أن المستبدين والخدمة يشتركون في النزوع لامتهان المرأة وانتهاك كرامتها ونزع إنسانيتها باختزالها في جسد يقارب شهوانيا ويستباح بصنفي الاعتداءات الجنسية اللفظي والمادي. وجميع العناصر هذه هي مكونات أساسية في النهج الذكوري الذي يمارس إزاء النساء ويوظف لاغتيالهن معنويا وتشويههن حين يعارضن السلطويات الحاكمة، تترادف في ذلك "اختبارات العذرية" في مصر وجرائم العنف الممنهج ضد النساء في العراق وسورية مع مأساة التمييز ضد نساء البدون في الخليج. في الجوهر، إذن، لا يختلف زج الجريدة الخليجية المعنية وثيقة "الارتباط العضوي" بالسلطوية الحاكمة في البلد الذي تصدر منه بأحد خدمتها ("كاتب" "المقال") لتوظيف النهج الذكوري والترويج لاعتداءات لفظية مريضة للاغتيال المعنوي للمرأة التي أفخر بالوقوف إلى جانبها، عن ما سبق أن تعرضت له بسمة في مصر من حملات تشويه عندما شاركت في ثورة يناير 2011 ثم رفضت سلطوية اليمين الديني في 2012 ثم عادت وامتنعت عن تأييد السلطوية الحاكمة منذ صيف 2013. هنا أيضا تتشابه الطبائع وتتطابق الأدوات في بلاد العرب، مستبدون وخدم يمتهنون كرامة المرأة وينزعون إنسانيتها.

لماذا أخصص مقالي الأسبوعي في جريدة القدس العربي المحترمة لتفكيك مكونات وخلفيات الاغتيال المعنوي الذي تعرضنا له الجريدة الخليجية المعنية؟ لإننا نتشارك في هوية الضحايا مع كثيرين آخر على امتداد بلاد العرب، ولأن المكونات تتقابل وترتبط بترويج الإفك ونشر الأكاذيب والاعتداء على الحياة الشخصية وكراهية المرأة، ولأن الخلفيات تتقابل وتتعلق برفض الاستبداد، ولإنني أرغب في كشف تطابق أدوات خدمة السلطان في كل مكان وإظهار معاييرهم المزدوجة وتبيان زيف ادعاءات بعضهم الثورية والديمقراطية. لهذا كتبت!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.