المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

الوضعية الإنكارية لمبرري السلطوية المصرية

تم النشر: تم التحديث:

ويخطئ من يظن أن الوضعية هذه تقتصر على تعامل مبرري السلطوية مع تفاصيل الملهاة المسماة الانتخابات البرلمانية 2015 والتي عبثا يحاولون فك الارتباط بين عزوف الناخب عن المشاركة فيها وبين حقيقة انصراف الناس عن أوهام "البطل المخلص الذي ساقته الأقدار" و"الرئيس المنقذ الذي يجرم في حق الوطن من يعارضه"، وحقيقة انصرافهم أيضا عن المقايضات الزائفة "سنأتي لكم بالاستقرار والأمن والخبز نظير تفويض وتأييد الحاكم الفرد" والتي يتهاوى شقها الأول ويتغول شقها الثاني في متوالية ظلامية تغيب العقل وتعمم الجهل وتفرض الرأي الواحد .

منذ صيف 2013، والإنكار هو نهج مبرري السلطوية الوحيد إزاء تراكم المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان التي سبقت وتلت فض اعتصامي رابعة والنهضة، والتي دأبوا هم على توصيفها كحرب على الإرهاب وعلى تعميم صفة "الإرهابي" على آلاف سلبت حريتهم. ولم ترتب شهادات الضحايا المتواترة وتقارير بعض المنظمات الحقوقية بشأن منهجية جرائم التعذيب داخل أماكن احتجاز السلطوية المصرية شأنها شأن جرائم الاختفاء القسري والعصف الكامل بضمانات التقاضي العادل سوى المزيد من إيغال مبرري السلطوية في الإنكار وفي نزع الإنسانية عن الضحايا عبر تصنيفهم إما كإخوان أو كخونة وعملاء أو كأعداء لاستقرار الوطن، تستوي في ذلك الأبواق الإعلامية للمكون العسكري-الأمني (الأذرع) مع مجموعات من الكتاب والإعلاميين والحزبيين والناشطين في بعض منظمات المجتمع المدني والكثير من الشخصيات العامة عطلت عقولهم وضمائرهم وطغت على إدراكهم ومن ثم على أدوارهم العلنية الرغبة في الحصول على "الحماية والعوائد" التي يظنون وهما أن السلطوية قادرة على ضمانها لهم إلى أبد الأبدين.

الإنكار هو نهج مبرري السلطوية الوحيد إزاء إماتة السياسة التي أنتجها كل من الخروج على الإجراءات الديمقراطية واستدعاء المؤسسة العسكرية للتدخل في الصراع على الحكم، تماما كما أسهم بها واعتاش عليها المكون الأمني الذي عاد مجسدا في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية إلى سابق طغيان ما قبل ثورة يناير 2011. السياسة بكونها نشاط تعددي وسلمي يستهدف تحقيق الصالح العام ويستند إلى المنافسة بين الأفكار والبرامج ويستحضر شرعيته من ممارسة المواطن للاختيار الحر ومن المشاركة الشعبية عبر صناديق اقتراع نزيهة لم تقم لها في مصر قائمة منذ صيف 2013، وليست المقولات الزائفة من شاكلة "التفويض الشعبي لمواجهة الإرهاب" ومرشح الضرورة" و"رئيس الضرورة" التي دأب مبرري السلطوية المصرية على الترويج لها سوى تعبير صريح عن إماتة السياسة، شأنها في ذلك شأن الزيف الأحدث زمنيا عن "البطل المنقذ صاحب الشعبية الجارفة وصاحب التواصل المباشر مع الجماهير"، و"البرلمان كظهير سياسي للرئيس وللسلطة التنفيذية"، و"الأحزاب السياسية المفتقدة للثقة الشعبية والتي تسببت في عزوف الناس عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية"، و"ضرورة صناعة الدولة للمعارضة الوطنية"، إلى آخر رطانة المبررين.

منذ صيف 2013، والإنكار هو نهج مبرري السلطوية الوحيد إزاء التداعيات الكارثية للقوانين والتعديلات القانونية الاستثنائية التي مررها "البطل المنقذ" ولم تسفر سوى عن سجن الآلاف وتهجير المواطن من المجال العام وإعادة إنتاج جمهورية الخوف وانهيار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. هو نهجهم كذلك إزاء التدخل السافر للأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الملهاة الانتخابية، والتي لم يقبل إجرائها إلا حين تثبتت "القيادات" من كامل تفريغ الانتخابات من المعنى والمضمون.

واليوم، وبعد أن تعاطى المواطن بوعي مع الملهاة الانتخابية وعزف عنها، يواصل مبررو السلطوية وضعيتهم الإنكارية تارة بادعاء مشاركة الناس والترويج للبيانات الرسمية غير الواقعية وثانية بتحميل الأحزاب مسئولية العزوف وثالثة باستجداء الذهاب إلى مراكز الاقتراع بعد حفلات "سب الناخب" الفضائية ورابعة بفك الارتباط بين العزوف وبين "شعبية البطل المنقذ" بعد أن فرضت حقائق الملهاة الانتخابية نفسها على القراءة العالمية للحدث وجردت السلطوية المصرية من فرص ادعاء قبول شعبي وشرعية ديمقراطية.

نشر في الشروق المصرية، 26/10/2015

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.