المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو حمزاوي Headshot

مصر بين ٢٠١٢ و٢٠١٣.. القضاء على تجربة التحوُّل الديمقراطي

تم النشر: تم التحديث:

نشب نزاعٌ كبير بين الإسلاميين والأحزاب الليبرالية واليسارية حين أصدر محمد مرسي الإعلان الدستوري في ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢، وبه وضع الصلاحيات التنفيذية والتشريعية في عهدة الرئاسة وانقلب على تعهده بعدم التدخل في شؤون القضاء من خلال تعيين نائب عام جديد. في اليوم التالي، التأم شمل سياسيين علمانيين في المقر الرئيس لحزب الوفد في القاهرة للتشديد على رفضهم الإعلان الدستوري.

تشكّلت خلال هذا الاجتماع جبهة الإنقاذ الوطني كمنبر علماني مُعارض، ولمّت شمل أحزاب مثل الوفد، والتجمّع، والمصريين الأحرار، والديمقراطي الاجتماعي، والجبهة الديمقراطية، وحزب المؤتمر الذي أسسه آنذاك عمرو موسى، والتحالف الشعبي، والكرامة، وأحزاب صغيرة أخرى. وكان ذلك بداية فصل جديد في الصراع الذي قضى على تجربة التحول الديمقراطي في مصر.

في نوفمبر ٢٠١٢، نظّمت جبهة الإنقاذ الوطني بدعم من قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية التي باتت حذرة على نحو متزايد من خطوات الإخوان حشوداً وتجمعات ضخمة في القاهرة والإسكندرية للمطالبة بتراجع مرسي عن الإعلان الدستوري وبدء حوار وطني حول مجابهة التحديات الرئيسة التي تواجه التحول الديمقراطي في مصر. فوجىء مرسي بالمشاركة الشعبية الكبيرة في تظاهرات جبهة الإنقاذ، فسارع إلى إلغاء بعض بنود الإعلان ونقل الصلاحيات التشريعية إلى مجلس الشورى وألغى حصانة المراسيم والقرارات الرئاسية. لكنه رفض سحب تعيينه للنائب العام الجديد.

عمدت الأحزاب الليبرالية واليسارية، التي شعرت بالتمكُّن للمرة الأولى عقب سلسلة الهزائم التي مُنيت بها، وبالثقة جراء المشاركة الشعبية في تظاهراتها السياسية، إلى تصعيد ضغوطها على الرئيس المُنتخب، فرفضت سحب مرسي بعض بنود الإعلان وطالبت بإلغائه برمته وإعادة تثبيت النائب العام السابق في منصبه. كما عادت هذه الأحزاب مجدداً إلى تكتيكات العرقلة ورفض معظمها دعوة الرئيس إلى المشاركة في مؤتمر للحوار الوطني. رد محمد مرسي وجماعة الإخوان بالتقارب مع الأحزاب السلفية كحزب النور وقواعد الحركة السلفية التي نظّمها النائب السابق والسياسي حازم صالح أبو إسماعيل.

وهكذا، وبعد أشهر معدودة من ولاية مرسي، طفا الاستقطاب العلماني-الإسلامي على السطح مجدداً وبحدّة. وفي حين أن مصر الريفية بقيت على دعمها للإسلاميين وشعرت أن مرسي يُمثلها، كان الأقباط والعديد من المسلمين والمسيحيين في الطبقات الوسطى يصبحون خصوماً لدودين لـ"حكمه الإسلامي"، كما وُصِفَ في العام 2012. ولإظهار مواقفها المتغيّرة، نزلت الطبقات الوسطى الحضرية إلى الشارع مع تظاهرات جبهة الإنقاذ الوطني ووجّهت نداءات متكررة إلى الجيش كي يتدخل في السياسة ويطيح الإسلاميين من السلطة. وفي هذه الأثناء، كان معظم وسائل الإعلام العامة والخاصة المدارة أمنياً تدعو أيضاً إلى تأييد الجيش، وتسخر بمرارة من محمد مرسي آناء الليل وأطراف النهار.

سرعان ما نشب صراع ثانٍ عقب مسألة الإعلان الدستوري، لكن هذه المرة حول الدستور الجديد للبلاد. فبعد قرار محكمة إدارية إبطال الجمعية التأسيسية الأولى التي شكّلها البرلمان في 2012، استخدم الإخوان والسلفيون سيطرتهم على البرلمان لتشكيل جمعية تأسيسية جديدة. قَبِلَ الوفد ومجموعة من السياسيين الليبراليين واليساريين بمن فيهم عمرو موسى، عضوية الجمعية وحاولوا، جنباً إلى جنب مع ممثلي السلطة التنفيذية والكنائس المصرية، التعبير عن مخاوف العلمانيين خلال عملية الصياغة الدستورية.

شكّكت معظم الأحزاب الليبرالية واليسارية علناً بشرعية الجمعية التأسيسية الثانية، وتداولت المحاكم العديد من الطعون القانونية التي طالبت بإبطالها. وقد تعرّض الأعضاء "العلمانيون" في الجمعية إلى ضغوط متزايدة للاستقالة. في الوقت نفسه، لم يُخفِ الأعضاء السلفيون في الجمعية تصميمهم على "أسلمة الدستور" وتمهيد الطريق أمام تطبيق الشريعة. وقد مكّن الاستقطاب العلماني-الإسلامي المتصاعد السلفيين من إقناع أعضاء الإخوان في الجمعية بتضمين الدستور مواد تتجاوز بكثير الإشارات التقليدية إلى مبادئ الشريعة الإسلامية كالمصدر الأساسي للتشريع. كان للإخوان والسلفيين أغلبية مريحة في الجمعية التأسيسية، وبالتالي حين بدا واضحاً أن أحد هذه المواد (المادة ٢١٩) ستُضم إلى الدستور الجديد، قدّم موسى وأعضاء الوفد استقالاتهم في نوفمبر 2012 ولحق بهم ممثلو الكنائس المسيحية.

على رغم استقالة "العلمانيين"، مضى الإسلاميون قُدُماً في خططهم، وتبنّوا دستوراً جديدا. وفي 1 ديسمبر 2012، أعلن محمد مرسي أن المصريين سيُدعون إلى قبول أو رفض الدستور في استفتاء يُجرى في 15 و22 ديسمبر 2012. ذهبت أدراج الرياح دعوات قلة من السياسيين الليبراليين واليساريين باتجاه الإخوان والسلفيين إلى إجراء مشاورات تعددية بشأن الوثيقة الدستورية قُبيل الاستفتاء، وخاضت الأحزاب العلمانية، التي كانت في معظمها منظّمة في جبهة الإنقاذ، نقاشات حول ما إذا كانت ستشارك في الاستفتاء بالتصويت بـ"لا"، أم ستقاطعه. كانت مخاوف الليبراليين واليسار في الجبهة حيال نتيجة التصويت كبيرة، حيث لاح في الأفق بقوة احتمال الخسارة الانتخابية لصالح الإسلاميين.

مع ذلك، استقر رأي الجبهة، خلال عملية ديمقراطية لاتخاذ القرار شكّلت قطيعة مهمة مع تكتيكات العرقلة والهدم، على المشاركة في الاستفتاء عبر التصويت بـ"لا". وأفادت الجبهة من الدفق الكثيف للأموال الذي جاء من بعض رجال الأعمال الناقدين لجماعة الإخوان، كما أفادت من طبقة وسطى مُستنفرة رأت في معركة الدستور مواجهة حول الهوية الحقيقية لمصر. علاوةً على ذلك، انخرطت الجبهة في عملية تواصل واسعة النطاق مع المواطنين، وشنّت حملات إعلامية لإقناع الغالبية بالتصويت لرفض الدستور. ولبرهة، بدا أن الأحزاب العلمانية لم تتجاوز مخاوفها التقليدية من مراكز الاقتراع وتخلّت عن تكتيكات العرقلة والهدم وحسب، بل طرحت وراءها أيضاً كل مناحي تشظيها واختلافاتها.

انتهى الاستفتاء بتصويت 63.8 في المئة لصالح الدستور المدعوم إسلامياً و36.2 ضده. وعلى الرغم من أن هذه الحصيلة مثّلت تزايداً ملحوظاً في عدد الناخبين المناوئين للإسلاميين- من 20 في المئة فقط في الاستفتاء الدستوري العام 2011 إلى أكثر من ثلث الجسم الانتخابي في استفتاء 2012، إلا أن الغالبية في جبهة الإنقاذ فشلت في إدراك أن هذا كان في الواقع كسباً، ورأت فيه، على العكس، هزيمة أخرى محققة أمام الإسلاميين في مراكز الاقتراع وصناديق الانتخابات. وحينها اكتسبت المواقف المؤيدة لتدخل الجيش زخماً جديداً، واندفعت الأحزاب الليبرالية واليسارية في نهاية المطاف إلى تأييد الخروج على الديمقراطية في صيف 2013.

في الشهور بين تبنّي الدستور الجديد في ديسمبر 2012 وصيف 2013 رفضت جبهة الإنقاذ، عدا نفر قليل من السياسيين، كل دعوات مرسي وجماعة الإخوان والأحزاب السلفية إلى حوارات وطنية، ومشاورات دستورية، والمشاركة في السلطة التنفيذية. بالطبع، بدا عرض المشاورات الدستورية بعد تبنّي الدستور مجرد نكتة سمجة. ومع ذلك، مثّلت الدعوات الأخرى إلى الحوار وعروض تمثيل الليبراليين واليسار في الحكومة فرصة لتقليص الاستقطاب العلماني-الإسلامي المُشل في مصر. لكن الغالبية في جبهة الإنقاذ رفضت كل هذه الدعوات رفضاً قاطعاً وانخرطت في جهود لاديمقراطية لجلب الجيش إلى السياسة. وفي وقت مبكّر من يناير 2013، كان قادة جبهة الإنقاذ يتفاوضون مع الجنرالات حول وسائل التخلّص من "الحكم الإسلامي"، ومالت أغلبية أعضاء الجبهة بشكل مطّرد إلى تحبيذ تدخل الجيش بدلاً من الوسائل الديمقراطية لمعارضة رئيس مُنتخب ودستور مُقر شعبياً.

في ربيع 2013 باتت مصر تقترب حثيثاً من نقطة اللااستقرار الخارج عن السيطرة. فمشاهد العنف في الشوارع بين أنصار الإسلاميين والعلمانيين كانت تتوالى فصولاً، فيما بدأت المؤسسات الرئيسة للدولة (كـأجهزة الأمن والقضاء) بممارسة تكتيكات العرقلة ضد إدارة محمد مرسي (أزمات نقص الوقود وانقطاعات الكهرباء المتتالية). حينها، بدأ وزير الدفاع السيسي بإصدار البيانات السياسية والتلميح إلى استعداد الجيش للتدخل لحماية الدولة المصرية. وفي أعقاب مظاهرات شعبية ضخمة في 30 يونيو 2013 شارك فيها مئات الآلاف من المصريين من سكان المدن للمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة، تدخل الجيش في 3 يوليو 2013.

تمّ عزل واعتقال الرئيس المُنتخب وإقالة الحكومة وحل مجلس الشورى، وإلغاء دستور 2012، وعُيِّنَ رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً مؤقتا، ولم يُعلن عن انتخابات رئاسية مبكّرة. طرح السيسي هذه الخطوات على المصريين خلال مؤتمر صحافي حضرته نخبة من مؤسسات دينية إسلامية ومسيحية وأهم شخصية في جبهة الإنقاذ؛ محمد البرادعي. وبالتالي، لم يعد ثمة شكّ قطّ بوجود تأييد علماني لتدخل الجيش، وبأن ثمة خيانة ارتكبت ضدّ المبادىء الديمقراطية وضد فرص البلاد في التحول الديمقراطي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.