المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو حمزاوي Headshot

وضعية مصر القلقة

تم النشر: تم التحديث:

ترسخت هيمنة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في مصر الآن بدرجة لا مثيل لها على مدى العقود الأخيرة، وهو ما يرتب خنق الحراك السياسي المدني، ويقضي على فرص التعافي الاقتصادي.

منذ استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة في 2013، تعاظمت التحديات التي تواجه مصر في مجال الإرهاب، بينما لم يطرأ أي تحسن ملموس على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لأغلب المواطنين، ومن هنا، ففي الوقت الذي يخرج فيه الإعلام الحكومي والإعلام الخاص الموجه أمنياً على الناس متغنياً ببطولات العسكريين وبإنقاذهم للبلاد من المؤامرات والأزمات، يواجه الجنرالات صعوبة متزايدة في استمداد الشرعية من الوعد الذي قطعوه على أنفسهم باستعادة الأمن والقضاء على الإرهاب وتحقيق الازدهار الاقتصادي.

في 26 يوليو/تموز 2013، وبعد أن عزل الفريق عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المصرية آنذاك الرئيس المنتخب محمد مرسي، استجاب كثير من المصريات والمصريين لدعوته بالتجمهر في الشوارع لمنحه تفويضاً شعبياً بمحاربة الإرهاب لاقتناعهم بأنه هو المنقذ الجديد للبلاد، وتنامى التأييد الشعبي للرجل بسبب خوف قطاعات واسعة من انهيار تام للأوضاع الأمنية، ومن انفجار العنف الأهلي، وبالقطع على وقع إعلام حكومي وخاص يخلع على البطل صاحب الزي العسكري هالات البطولة، ويدعم ترشحه لرئاسة الجمهورية وينزع الوطنية عن معارضيه.

غير أن شعبية الرئيس السيسي أخذت منذئذ بالانحسار جراء الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، والتدهور المستمر للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تدريجياً، بدت حكومة الجنرالات في نظر البعض على الأقل نظاماً تسلطياً يتركز اهتمامه على حماية الامتيازات التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، والنخب الاقتصادية والمالية والإعلامية المرتبطة بها.

اليوم يعيش أكثر من 22 مليون مصري دون خط الفقر، بينما يزيد معدل البطالة عن 13 في المائة، ويرتفع إلى 34 في المائة في أوساط الشباب، وحسب مصادر حكومية، ارتفع معدل التضخم إلى ما فوق 25 في المائة في 2016 وبدايات 2017، وبقي معدل النمو الاقتصادي في حدود 4 في المائة، بينما بلغ إجمالي الدين المحلي والخارجي لمصر معدلات غير مسبوقة - تشير بعض التقارير المحلية والعالمية إلى كون إجمالي الدين يربو على 90 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومع أن حكومة الجنرالات حققت أول الأمر بعض النجاح في دعم المواد التموينية ومعالجة القصور في إمدادات الطاقة، فإن هذه الجهود لم يصحبها ما يماثلها في مرافق وخدمات حيوية أخرى، وليس من الواضح إن كانت الحكومة تمتلك رؤية اقتصادية محددة، تماماً كما تظل رؤيتها للتعامل مع تحديات الإرهاب والأوضاع الأمنية غير مكتملة ومهمشة للأبعاد الاجتماعية، بل إن الانتهاكات المتراكمة للحقوق والحريات التي تتورط بها الأجهزة الأمنية تصنع في سيناء وغيرها بيئات مجتمعية قابلة وربما حاضنة للعنف.

وعلى الرغم من تعاظم مشاعر الريبة والنفور في الفضاء العام تجاه سجل النظام فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فإنه ما زال يمضي قدماً على المسار نفسه، تسانده في ذلك النخب المتحالفة معه، تواصلت سياسة القمع وتشويه سمعة حركات المعارضة التي باتت تصنف إما إرهابية أو متآمرة أو خائنة للمصالح الوطنية، بل بلغ جنون السلطوية مداه باتهام مجموعات الطلاب والنشطاء المنددين بانتهاكات الحقوق والحريات وكذلك منظمات المجتمع المدني المستقلة والنقابات المهنية بخيانة الوطن والعمل على إسقاط الدولة.

كذلك، لم تتوقف حكومة الجنرالات عن تقويض أركان المؤسسات المدنية في بنية وتطويعها لخدمة مصالح المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ويكفي لإدراك تراجع أهمية المؤسسات المدنية النظر إلى البرلمان الحالي الذي يتباهى رئيسه بالتبعية للسلطة التنفيذية، والذي يشغل به عسكريون وأمنيون متقاعدون المناصب الحيوية ويمتنعون عن ممارسة التشريع والرقابة باستقلالية حقيقية، ويكتمل المشهد البائس بمتابعة الخطاب الموجه للإعلام الحكومي والخاص الذي يشكك دوماً بالسياسيين المدنيين ويوحي بأن الجنرالات - سواء كانوا من الجيش أو الشرطة أو المخابرات - هم وحدهم الذين يصلحون لحكم البلاد.

إن التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجهها مصر بالغة الصعوبة، ويتطلب تذليلها تغييراً جوهرياً في سياسات حكومة الجنرالات، لا بد أن تغير من استراتيجياتها الأمنية لاستحداث سياسات فعالة لمكافحة الإرهاب وضمان حكم القانون، كما ينبغي وضع حد للقمع ولانتهاكات حقوق الإنسان المفزعة التي تصنع بيئات مجتمعية حاضنة للعنف. أيضاً، يتعين على الحكومة الابتعاد عن هدر موارد البلاد المحدودة في مشروعات إنشائية ضخمة - مثل العاصمة الإدارية الجديدة - ووضع حد لتعاظم دور المؤسسة العسكرية في المجالين الاقتصادي والمالي، وبدلاً من القمع المستمر للمعارضة وللمدافعين عن حق البلاد في حكم القانون وتداول السلطة، ينبغي فتح الفضاء العام لمشاركتهم في إدارة الشأن العام وإحياء السياسة بعد مواتها، دون تغييرات كهذه، وللأسف يصعب تصور رغبة الجنرالات في إحداثها، ستنقلب الأمور إلى انهيارات غير مسبوقة.

* نقلاً عن القدس العربي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.