المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

قراءة في الإسقاط الدستوري للمادة 10 من قانون التظاهر المصري

تم النشر: تم التحديث:

كاتب مشارك: ناثان براون

منذ أيام قليلة، أسقطت المحكمة الدستورية العليا المصرية شقاً من قانون التظاهر الذي كان الرئيس السابق للمحكمة والرئيس المؤقت السابق للبلاد المستشار عدلي منصور قد أصدره في 2013.

حين صدر القانون، شدد المسؤولون الحكوميون على أن محتواه لا يختلف عن المعمول به في الديمقراطيات الليبرالية التي تتيح التظاهر السلمي كحق، وتضع على عاتق السلطات العامة واجبات الحفاظ على النظام العام، وعدم السماح بالإخلال به عند ممارسة المواطنين للحق في التظاهر.

تشابه القانون المصري شكلياً مع قوانين الديمقراطيات الليبرالية، غير أنه أخضع التظاهر لاشتراطات مطاطية ومعايير غامضة قيَّدته وأطلقت يد السلطات العامة في منعه وفي تطبيق العقوبات القاسية المنصوص عليها في القانون على من يصنفون كمخالفين.

وتواكب ذلك مع اندفاع الأجهزة الأمنية والنيابات العامة لكبح جماح المظاهرات الشعبية بعد انقلاب 2013 ومع تململ القطاعات النشطة بين المواطنين من اشتراطات قانون التظاهر كالإخطار المسبق للسلطات بالتظاهرات المزمع القيام بها؛ ليرتب حرية الكثيرين خلال السنوات الماضية، ويسبب مع غيره من القوانين المجحفة عصفاً ممنهجاً بالحقوق والحريات، وإغلاقاً لسبل المعارضة السلمية، ويصنع إطار الحكم السلطوي الجديد في مصر.

بنص صريح وقوي يتناول الحق في التظاهر والقيم الديمقراطية والدستورية، قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 10 من القانون التي تؤسس لانفراد الأجهزة الأمنية بصلاحية التقييد والمنع المسبقين للمظاهرات التي تخطر بها مستندة إلى خطر الإخلال بالنظام العام. فإرادة الأجهزة الأمنية، وفقاً للقضاة الدستوريين، يواجهها الحق الدستوري للمواطن في التظاهر السلمي وتواجهها أيضاً مبادئ الفصل بين السلطات. والأمران يلزمان عندما يخطر مواطنون الأجهزةَ بالعزم على التظاهر بالإحالة إلى المحاكم المختصة للفصل العادل والمتوازن بين مخاوف الأجهزة بشأن الإخلال بالنظام العام وبين رغبات المواطنين في التعبير السلمي عن الرأي.

هل يمثل حكم الدستورية العليا ضربة موجعة للسلطوية في مصر؟ هل يؤشر إلى جزر العصف الممنهج بحقوق وحريات الناس بعد مد السنوات الماضية؟ إجابتنا في كلمة واحدة هي لا، فأغلب الظن أن التأثير الآني للحكم سيأتي محدوداً، على الرغم من ذلك، تظل قائمة فرص بعض التغييرات الإيجابية التي ربما أدخلها حكم الدستورية العليا على المدى الطويل.

لجهة التأثير الآني المحدود، لن يبدل الحكم، أولاً: من وضعية المواطنين المسجونين بسبب مخالفة قانون التظاهر. ومن بين هؤلاء شباب كانوا من الفاعلين في ثورة 2011 ودفعهم الرفض المبدئي للقانون إلى محاولة التظاهر دون إخطار الأجهزة الأمنية، ومن بينهم أيضاً أعداد كبيرة من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ومناصريهم الذين سلبت حريتهم في سياق مظاهرات لم تخطر بها الأجهزة. غياب الإخطار لن يمكنهم من الإفادة من الحكم بعدم دستورية المادة 10، كما أن اقتصار عدم الدستورية على المادة 10 يعني استمرار مواد القانون الأخرى قائمة.

ثانياً: تنفذ الأجهزة الأمنية بأدوات متنوعة لتقييد ومنع المظاهرات السلمية بعيداً عن القوانين ونصوصها وموادها. ومن بين تلك الأدوات يأتي على سبيل المثال لا الحصر توظيف من يشار إليهم في الخطاب الرسمي "كمجموعات المواطنين الشرفاء" للاعتداء على المتظاهرين وفض المظاهرات، وإلقاء القبض على منظمي المظاهرات ومواجهتهم بالاتهامات المعلبة الشهيرة من حيازة مواد ممنوعة إلى إهانة المسؤولين وتهديد الأمن العام، وإغلاق الطرق المؤدية إلى الأماكن المعلنة أو المتوقعة للتظاهر والاحتجاج السلمي كميدان التحرير ومقر نقابة الصحفيين في القاهرة.

ثالثاً: يحتفظ حكم الدستورية العليا للأجهزة الأمنية بأدوات قانونية، فالأجهزة تستطيع الذهاب إلى المحاكم المختصة لطلب التقييد أو المنع المسبقين للمظاهرات المخطَر بها. على الرغم من التعقيد النسبي لهذا الإجراء مقارنة بممارسة الإرادة المنفردة، يصعب في البيئة الراهنة التي أنتجتها السلطوية المصرية توقع أن توافق محكمة على الترخيص لتظاهرات أو مسيرات أو أنشطة احتجاجية أخرى تدفع الأجهزة الأمنية بخطرها على النظام العام. كذلك، لأن الحكم أبقى على مواد قانون التظاهر الأخرى قائمة، يظل للأجهزة الأمنية صلاحيات قانونية واسعة لانتهاك حق المواطنين في التظاهر، فهي تستطيع أن تطلب من المحاكم منع المظاهرات السلمية في الميادين والطرق العامة وأماكن العمل مدعية كونها تعطل جهود الإنتاج وتهدد حقوق المواطنين الآخرين (المادة 7)، ولها أيضاً لأغراض حماية الأمن وحفظ النظام العام أن تطلب منع التجمع السلمي للمواطنين بالقرب من المنشآت العامة والمباني الحكومية (كأقسام الشرطة) للاحتجاج المشروع على سياسات وممارسات تهدد حقوقهم وحرياتهم (المادة 14)؛ بل إن القانون يرخص للأجهزة الأمنية استخدام الخرطوش والرصاص المطاطي وغير المطاطي لفض المظاهرات والمسيرات والتجمعات التي أخطر بها ووافق عليها حال تقرير الأمنيين بإرادتهم المنفردة واستناداً إلى معايير غامضة عدم التزام المتظاهرين بالطبيعة السلمية (المواد 11-13).

لن يتجاوز التأثير الآني لحكم الدستورية العليا حدوده العديدة، غير أنه على المدى الطويل قد يكون له تداعيات ليبرالية هامة، فحيثيات الحكم تدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن القضاة الدستوريين يتعاملون بجدية مع القيم الديمقراطية التي يحويها دستور 2014، مقارنة بدستور 1971 والتي قيدت الاشتراطات السلطوية الكثيرة التي ضمها نصه التزامه العام بالفكرة الديمقراطية وفرغ في سياقه تغول السلطة التنفيذية وعصف الحكومات المتعاقبة بحقوق وحريات الناس بعد محاولات المحكمة الدستورية العليا الانتصار للقيم الديمقراطية من المضمون والفاعلية، مقارنة بدستور 2012 الذي قدم ضمانات ديمقراطية حقيقية غير أن التنازع المجتمعي بشأنه جعل المحكمة الدستورية العليا غير راغبة في التعويل عليه ودفعها في بعض الأحكام إلى استبدال الإشارة إليه بحديث عن التقاليد الدستورية المصرية؛ يسجل حكم قانون التظاهر القراءة الديمقراطية للمحكمة لدستور 2014، بل إن اللغة المستخدمة في الحكم، شأنها شأن حكم الدستورية العليا في 2015 بشأن عدم دستورية منع مزدوجي الجنسية من الترشح في الانتخابات البرلمانية، تعلن بجلاء عن أن القضاة الدستوريين يرون في الدستور الجديد نقطة انطلاق ديمقراطية لإيجاد توازن بين السلطات العامة وإخضاع أعمال السلطة التنفيذية للرقابة وصون حقوق وحريات المواطنين، وقد تمكن قضايا ستنظرها المحكمة في الفترة القادمة، مثل التعيين الدستوري لمضمون رقابة قضاء الدولة لأعمال السلطة التنفيذية خاصة ما يتعلق بحدود ما يسمى بأعمال السيادة (على خلفية توقيع الحكومة المصرية لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية المعروفة إعلامياً باتفاقية تيران وصنافير) ودستورية قانون النقابات العمالية (القانون رقم 35 لسنة 1976) الذي يقيد الحريات النقابية التي يطلقها دستور 2014، من تثبيت ملامح قراءتها الديمقراطية هذه.

من جهة أخرى، يظهر حكم إسقاط المادة 10 من القانون أن مسألة الإخطار المسبق للأجهزة الأمنية بعزم مواطنين ممارسة حق التظاهر ينبغي أن تفهم كتنظيم للممارسة يلزم السلطة التنفيذية بصون الحق الدستوري وليس تقييدَه أو إلغاءَه.

ويمكن بالتبعية مد ذلك إلى حقوق إضافية بالغة الأهمية كالحق في تكوين الجمعيات الأهلية وتسجيلها لدى الجهات الحكومية بالإخطار، والذي يمكن بصدده الدفع بعدم دستورية قانون الجمعيات الأهلية (القديم والجديد) الذي يعطي للجهات الحكومية صلاحية رفض الإخطار والتسجيل بإرادة منفردة، ومن ثم إجبار السلطة التنفيذية على الذهاب إلى القضاء للتعليل المسبق لرفض الإخطارات ومواجهة المتضررين، وهنا سيتغير أيضاً موقع المواطنين المتضررين من باحثين عن حق دستوري ضائع إلى منافحين عن حق دستوري يتعين صونه مسبقاً.

أخيراً، تزج المحكمة الدستورية العليا بحكم قانون التظاهر وبحكم مزدوجي الجنسية وغيرهما من أحكام ربما تكون قادمة بشأن أعمال السلطة التنفيذية وحقوق وحريات الناس إلى قلب العلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطن في مصر، وإذا واصلت المحكمة الانتصار للقيم الديمقراطية في البيئة الصعبة الراهنة، قد تعيد شيئاً من التوازن بين الحكومة والقضاء وتستعيد للمواطن بعضاً من حقوقه وحرياته التي تهدرها السلطوية الحاكمة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.