دبلوماسية المصافحة بين الكوريتين تنتصر.. الولايات المتحدة تفتح الباب أمام مباحثاتٍ مع كوريا الشمالية

تم النشر: تم التحديث:
SSS
Alamy

قال مسؤولان بارزان في الإدارة الأميركية ومتحدثٌ باسم الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي، لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الثلاثاء 13 فبراير/شباط 2018، إنَّ الولايات المتحدة، الساعية لتجنُّب الخلاف مع أحد حلفائها، أبلغت كوريا الجنوبية استعدادها لإجراء محادثاتٍ تمهيدية مع كوريا الشمالية.

ويعكس هذا القرار -الذي جاء بعدما حَضَر مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة بيونغ تشانغ الكورية الجنوبية والتقى الرئيس الكوري الجنوبي مون- كيف ساهم عُمق القناة الدبلوماسية بين الكوريتين في تغيير حسابات الإدارة الأميركية، بحسب الصحيفة الأميركية.

إذ كان الرئيس الأميركي يرفض، على مدى شهور، فكرة عقد اجتماعٍ مع كوريا الشمالية ما لم تتخذ خطواتٍ ملموسة في سبيل التخلِّي عن مخزونها النووي والحدّ من سلوكها الاستفزازي. أمَّا الآن، وفي ظل عزم مون على التعامل مع كوريا الشمالية، قال هؤلاء المسؤولون إنَّ الإدارة الأميركية قررت تصحيح مسارها، بحسب "نيويورك تايمز".


انتصار لكوريا الجنوبية


جاء هذا القرار بمثابة انتصارٍ لكوريا الجنوبية. فقال كيم إوي كيوم، المتحدث باسم الرئيس الكوري الجنوبي، إنَّ مون قال، الثلاثاء 13 فبراير/شباط 2018: "تبدو الولايات المتحدة أيضاً إيجابيةً إزاء الحوار بين الكوريتين، وأعربت عن استعدادها لبدء محادثاتٍ مع كوريا الشمالية".

بينما كان المسؤولان الأميركيان أكثر تحفُّظاً، وقالا إنَّ الولايات المتحدة مستعدةٌ لإجراء محادثات فقط وليس مفاوضات كاملة.

وأضافا أن الولايات المتحدة ستكرر مطالبها بأن تقدم كوريا الشمالية تنازلاتٍ ولا تعتزم تقديم أي شيءٍ في المقابل. وحتى الآن، لا توجد نيةٌ لإلغاء المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، المقرر إجراؤها بعد دورة الألعاب الأولمبية الشتوية أو تأجيلها مرةً أخرى، بحسب الصحيفة الأميركية.

ومع ذلك، فإنَّ التحوُّل التكتيكي من جانب البيت الأبيض يفتح الباب أمام مرحلةٍ جديدة، لا يمكن التنبؤ بها، في الأزمة القائمة مع كوريا الشمالية، ويوضِّح كذلك كيف تمكَّن الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ-أون، من استخدام الألعاب الأولمبية الشتوية للسعي لإذابة الخلافات مع نظيره الكوري الجنوبي المُرحِّب بذلك.

وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن ترامب نفسه متذبذبٌ بين اتخاذ نهجٍ صارم ضد كوريا الشمالية والجلوس مع نظيره كيم والتوصَّل معه إلى اتفاق. ويؤيد بعض مستشاري ترامب، مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون، إجراء حوارٍ مع كوريا الشمالية، بينما يطالب آخرون، مثل الجنرال هربرت رايموند ماكماستر، مستشار الأمن القومي الأميركي، بمزيدٍ من الضغط على كوريا الشمالية مدعوماً بالتهديد بالتدخُّل العسكري.

وظهرت تقارير في بعض وسائل الإعلام، بعد رحيل مايك بنس عن كوريا الجنوبية يوم السبت 11 فبراير/شباط 2018، تفيد بأنَّ واشنطن وسيول توصَّلتا إلى تفاهمٍ بشأن إمكانية إجراء حوارٍ مع كوريا الشمالية، لكنَّ مسؤولين كوريين جنوبيين لم يؤكدوا ذلك.


سياسة العصا والجزرة


ولطالما استخدمت إدارات أميركية متعاقبة الحوار مع كوريا الشمالية بمثابة جَزَرةٍ -بالتزامن مع استخدام العقوبات كعصا- على أمل إجبار الدولة المعزولة على إنهاء برنامجها الخاص بالأسلحة النووية. لكنَّ إدارة ترامب لطالما عارضت هذا النهج، مشيرةً إلى استحالة طرحه في المفاوضات كما حدث في مفاوضات إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، مع كوريا الشمالية في عام 1994، والتي أسفرت عن اتفاقٍ نقَضَته كوريا الشمالية لاحقاً.

ومنذ 6 أشهر فقط، وَصَف ترامب مبادرات مون تجاه كوريا الشمالية بأنَّها "استرضاء". وحين صرَّح تيلرسون، في شهر ديسمبر/كانون الأول 2017، بأنَّ الولايات المتحدة مستعدةٌ لعقد "اجتماعٍ دون شرط سابق" مع كوريا الشمالية، رَفَض البيت الأبيض تصريحاته باعتبارها سابقةً لأوانها، بحسب "نيويورك تايمز".

لكن، في حوارٍ أجراه مايك بنس مع صحيفة الواشنطن بوست الأميركية بعد مغادرته كوريا الجنوبية، ذَكَر أنَّ الولايات المتحدة مستعدةٌ لعقد اجتماع، حتى إنَّه أشار إلى إمكانية دخولها المحادثات بلا شروطٍ مسبقة. وقال بنس عن العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة على كوريا الشمالية: "ستستمر حملة الضغط القصوى وستزداد شدتها. لكن، إذا أردتم الحوار، فسنتحاور".

ستكون الموافقة على إجراء محادثاتٍ، قبل أن يثبت الكوريون الشماليون استعدادهم لتفكيك برنامج أسلحتهم، تحوُّلاً ماكراً، لكنه مهم ربما في نهج واشنطن، وانتصار للرئيس الكوري الجنوبي.

فحين اجتمع بنس ومون الأسبوع الماضي، بدا أنَّ الحليفين وجدا أرضيةً مشتركة تتمثل في موافقتهما على إجراء محادثاتٍ مع كوريا الشمالية بلا شروط محددة، لكن مع مواصلة استخدام العقوبات كورقة ضغط، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال بنس للصحفيين يوم الجمعة، 9 فبراير/شباط 2018، عقب اجتماعه مع الرئيس الكوري الجنوبي: "فكَّرتُ مع الرئيس مون الليلة الماضية في ضرورة فعل شيء مختلف جوهرياً".

وأضاف أنَّ بلاده وكوريا الجنوبية سيطالبان كوريا الشمالية "في بداية أي محادثات أو مفاوضات جديدة، بطرح مسألة نزع سلاحها النووي للنقاش، واتخاذ خطوات ملموسة مع المجتمع الدولي لتفكيك برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية تفكيكاً دائماً لا رجعة فيه".

وأضاف: "حينئذٍ فقط، سيفكر المجتمع الدولي في التفاوض وإجراء تغييراتٍ في نظام العقوبات المفروضة عليهم في الوقت الراهن".


شقيقة كيم ووزير الدفاع الأميركي


جديرٌ بالذكر أنَّ وجود بنس في كوريا الجنوبية تزامَن مع زيارة كيم يو جونغ، شقيقة رئيس كوريا الشمالية ومبعوثته الخاصة، إلى كوريا الجنوبية ضمن وفدٍ أولمبي. ووجَّهت كيم دعوةً من شقيقها إلى مون لحضور لقاء قمة في كوريا الشمالية.

واعتبر مون -الذي دعا رياضيين من كوريا الشمالية إلى المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية، حيث ساروا مع رياضيين كوريين جنوبيين تحت عَلَمٍ كوري موحَّد في أثناء حفل الافتتاح- دورة الألعاب خطوةً مهمة نحو تعزيز السلام في شبه الجزيرة الكورية، بحسب الصحيفة الأميركية.

من الصعوبة بمكان، فك شيفرة تلميحات إدارة ترامب عن كوريا الشمالية؛ نظراً إلى عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي؛ إذ تناقض ترامب مع وزير خارجيته تيلرسون، مراراً، حين كان هذا الأخير يُلمِّح إلى إمكانية سلوك مسارٍ دبلوماسي مع كوريا الشمالية. لكنَّ بعض المسؤولين أشاروا إلى أنَّ بنس تلقى أوامر إلزاميةً من ترامب قُبيل ذهابه إلى آسيا بوقتٍ قصير، ومن غير المُرجَّح أن يكون قد انحرف عنها.

من ناحيةٍ أخرى، شعر البيت الأبيض بارتياحٍ، في ظل هدوء وتيرة التجارب النووية والصاروخية بكوريا الشمالية، وإن كان يتابع هذا الهدوء بحذر. ولم تُجرِ كوريا الشمالية أية تجارب أسلحة كبرى منذ 29 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي (2017)، حين أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات، قوياً بما يكفي للوصول إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة.

وحتى لو بدأت المحادثات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، فما زالت الفجوة بين البلدين واسعة. وتوقع مُحلِّلون أنَّ كوريا الشمالية ستستغل أي محادثاتٍ مستقبلية مع واشنطن لقبولها كقوة نووية وكسب تنازلاتٍ اقتصادية كبيرة في مقابل الموافقة على عدم المضي قدماً ببرنامجها النووي، كما ترى الصحيفة الأميركية.

وقالت كوريا الشمالية إنَّها لن تتخلى عن أسلحتها، ولن تناقش سوى خفض الأسلحة عند الطرفين، في تعهُّد تأخذه وكالات الاستخبارات الأميركية على محمل الجد؛ إذ أشارت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) إلى أن كيم لن يتخلى عن ترسانته تحت أي قدرٍ من الضغوط.

وقال دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية، في بيانه أمام مجلس الشيوخ، الثلاثاء 13 فبراير/شباط 2018، إنَّ كوريا الشمالية "ذكرت مراراً أنَّها لا تنوي التفاوض بشأن أسلحتها وصواريخها النووية؛ لأنَّ النظام يعتبر الأسلحة النووية في غاية الأهمية لأمن بلاده".

وأضاف أن كيم "ربما يرى أنَّ الصواريخ النووية الباليستية العابرة للقارات بمثابة دعامةٍ لتحقيق طموحه الاستراتيجي على المدى الطويل؛ لإنهاء تحالف سيول مع واشنطن، والسيطرة على شبه الجزيرة الكورية في نهاية المطاف".